في خطوة تسلط الضوء على جانب مهم من الذاكرة الثقافية التونسية، صدر مؤخرًا كتاب جديد للباحث والكاتب التونسي فاخر الرويسي بعنوان" نجمات تونس في الطرب والمسرح والسينما 1900-1956"، وهو عمل يوثق مسيرة عدد من الفنانات التونسيات اللواتي بصمن الحياة الفنية والثقافية خلال النصف الأول من القرن العشرين.
يستعرض الكتاب، الذي قدّم له الكاتب المسرحي الراحل عز الدين المدني، سيرة 18 فنانة تونسية تألقن في مجالات الغناء والمسرح والسينما، رابطًا بين مساراتهن الفنية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها البلاد خلال فترة الاستعمار الفرنسي وصولاً إلى الاستقلال سنة 1956.
رد اعتبار لفنانات عانين التهميش والإقصاءوقال الرويسي، في مقابلة مع برنامج" ضفاف" الذي يعرض على شاشة العربي 2، إن الدافع الأساسي وراء تأليف الكتاب يتمثل في رد الاعتبار لفنانات عانين التهميش والإقصاء في مرحلة تاريخية اتسمت بسيطرة الذهنية الذكورية وصعوبة ولوج المرأة إلى الفضاء الثقافي والفني.
وأوضح أن الفنانات التونسيات خضن معركة مزدوجة؛ الأولى ضد القيود الاجتماعية والثقافية التي كانت تحاصر حضور المرأة في المجال العام، والثانية من أجل إثبات الذات والمساهمة في بناء المشهد الثقافي الوطني.
وعن اختياره للفترة الممتدة بين 1900 و1956، أشار الرويسي إلى أنها تمثل مرحلة مفصلية في تاريخ تونس، شهدت انفتاح المجتمع على أشكال فنية جديدة مثل المسرح والسينما والموسيقى الحديثة، مع دخول تقنيات وأدوات ثقافية جديدة كالأسطوانة والبيانو والغراموفون، ما أتاح للمرأة التونسية فرصٍا غير مسبوقة للظهور والإبداع.
" نجمات تونس في الطرب والمسرح والسينما 1900-1956"وأكد الكاتب أن مؤلفه يستند إلى عمل توثيقي وأرشيفي واسع شمل الصحف القديمة والكتب والشهادات الشفوية والأرشيف الوطني ومركز الموسيقى العربية والمتوسطية" النجمة الزهراء"، إضافة إلى تسجيلات ووثائق تاريخية، مشددًا على أن الكتاب يقدم وقائع موثقة لا روايات أو سرديات أسطورية.
ويتوقف الكتاب أيضًا عند الدور الوطني الذي لعبته بعض الفنانات في مقاومة الاستعمار الفرنسي، مستشهدًا بأسماء بارزة مثل الفنانة التونسية اليهودية حبيبة مسيكة التي تعرضت للملاحقة بسبب مواقفها الوطنية، إلى جانب فتحية خيري وحسيبة رشدي وغيرهن ممن ساهمن في دعم الحركة الوطنية التونسية بطرق مختلفة.
ويرى الرويسي أن استعادة سير هؤلاء الفنانات اليوم لا تندرج فقط في إطار التأريخ للفن التونسي، بل تمثل كذلك مساهمة في إبراز دور المرأة في بناء الهوية الوطنية الحديثة والدفاع عن قيم التنوير والمدنية والانفتاح.
ويأتي هذا الإصدار ضمن مشروع بحثي أوسع يعمل عليه الرويسي منذ سنوات، ويهدف إلى إعادة الاعتبار لشخصيات ومساهمات ظلت مهمشة في الذاكرة الثقافية التونسية، سواء من النساء أو الرجال الذين أسهموا في تشكيل المشهد الفني والفكري خلال فترات مفصلية من تاريخ البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك