تشهد صناعة الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) تحوّلاً متسارعاً قد يعيد رسم خريطة المنافسة العالمية، مع تصاعد ما بات يُعرف بـ" حرب أسعار الذكاء الاصطناعي"، حيث تتجه الشركات الكبرى والناشئة بصورة متزايدة نحو استخدام نماذج أقل تكلفة، بما في ذلك النماذج مفتوحة المصدر (Open Source) والنماذج التي تطورها شركات صينية، سعياً إلى احتواء النفقات التشغيلية المتزايدة.
ويضع هذا التحول ضغوطاً متنامية على الشركات الرائدة في القطاع، وفي مقدمتها" أوبن إيه آي" (OpenAI) و" أنثروبيك" (Anthropic)، اللتان تواجهان تحدياً متزايداً يتمثل في ضرورة خفض الأسعار للحفاظ على حصتهما السوقية، وهو ما قد يؤثر على قدرتهما في التحول إلى شركات مربحة خلال السنوات المقبلة، وفقاً لتقرير موسّع نشرته وول ستريت جورنال مساء الخميس.
وتعتمد الموجة الجديدة من حلول خفض التكاليف على آليات تشغيل ذكية تسمح بالتنقل الديناميكي بين مجموعة من النماذج المختلفة، بحيث تُسند المهام البسيطة والمتكررة إلى نماذج منخفضة التكلفة، بينما تُخصص النماذج الأكثر تطوراً للمهام المعقدة التي تتطلب قدرات استدلال وتحليل أعلى.
ويتيح هذا النهج للوكلاء الأذكياء المستقلين (AI Agents) استخدام نماذج اقتصادية، من بينها نماذج طورتها شركات صينية مثل" علي بابا" (Alibaba) و" ديبسيك" (DeepSeek)، لتنفيذ جزء كبير من العمليات اليومية، فيما يتم اللجوء إلى النسخ المتقدمة من" شات جي بي تي" (ChatGPT) و" كلود" (Claude) فقط عند الحاجة إلى قدرات متقدمة.
ووفقاً لما نقلته الصحيفة عن مسؤولين تنفيذيين يستخدمون هذه الأنظمة، فإن هذا الأسلوب قادر على خفض تكاليف بعض الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي بنسبة تصل إلى 95%.
وفي هذا الصدد، قال دان روبنسون، مؤسس شركة" ديتيل" (Detail) المتخصصة في اكتشاف الأخطاء البرمجية: " عندما نجد نظاماً يعمل بكفاءة ويحقق رضا المهندسين، نبدأ فوراً بالبحث عن طرق لجعله أكثر فعالية من حيث التكلفة"، مشيراً إلى أن قطاع النماذج مفتوحة المصدر يشهد حالياً وفرة كبيرة في الخيارات المتاحة.
وأضاف أن شركته نقلت نحو 90% من أعباء العمل من نموذج" كلود" التابع لـ" أنثروبيك" ونموذج" جيميناي" (Gemini) التابع لشركة" غوغل" (Google) إلى نماذج مخصصة ونماذج" جي إل إم" (GLM) المطورة في الصين.
مؤشرات على تغير سوق الذكاء الاصطناعيويبدو أن هذا التحول بدأ يترك أثره على مؤشرات الإنفاق في قطاع الذكاء الاصطناعي.
فقد أشار تقرير صادر عن شركة" سيتادل سيكيوريتيز" (Citadel Securities) إلى أن التراجع الأخير في أحد المؤشرات الرئيسية التي تراقب الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد يكون مرتبطاً بالانتشار المتزايد للنماذج الأرخص واستراتيجيات خفض التكاليف.
وأوضح التقرير أن" حتى أكثر التقنيات قوة وتطوراً يجب أن تخضع في نهاية المطاف لقواعد التكلفة والطاقة الاستيعابية والعائد الاقتصادي".
تعتمد الموجة الجديدة من حلول خفض التكاليف على آليات تشغيل ذكية تسمح بالتنقل الديناميكي بين مجموعة من النماذج المختلفة، بحيث تُسند المهام البسيطة والمتكررة إلى نماذج منخفضة التكلفة، بينما تُخصص النماذج الأكثر تطوراً للمهام المعقدة التي تتطلب قدرات استدلال وتحليل أعلىوتأتي هذه التطورات في وقت تدرس" أوبن إيه آي" إجراء تخفيضات كبيرة على أسعار خدماتها، استعداداً لما تتوقعه من تخفيضات مماثلة قد تقدم عليها منافستها" أنثروبيك".
وتعتقد الشركة أنها تتمتع بأفضلية نسبية في حال اشتداد المنافسة السعرية، بعدما أنفقت مبالغ ضخمة خلال العام الماضي لتأمين قدرات حوسبية هائلة بأسعار أقل من تلك السائدة حالياً في السوق.
وكان الرئيس التنفيذي لـ" أوبن إيه آي"، سام ألتمان (Sam Altman)، قد أقر أخيراً بأن التكاليف أصبحت" قضية ضخمة" بالنسبة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي.
غير أن المشكلة تتجاوز التسعير وحده، إذ تخسر كل من" أوبن إيه آي" و" أنثروبيك" مليارات الدولارات سنوياً لتغطية تكاليف البنية التحتية الحاسوبية المطلوبة لتطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، في وقت تستعد الشركتان لاحتمال التوجه نحو الاكتتاب العام الأولي (IPO) عبر إجراءات سرية تمهيدية.
ويعيد هذا الواقع إحياء النقاش الدائر منذ سنوات حول ما إذا كانت النماذج الأرخص ستؤدي إلى تحويل الذكاء الاصطناعي إلى سلعة متاحة للجميع بأسعار منخفضة، أم أن الشركات الكبرى ستتمكن من الحفاظ على تفوقها بفضل تسارع وتيرة الابتكار والتطوير.
خبير: النماذج مفتوحة المصدر أصبحت تتمتع بقدرات عالية، ما يعني أن" القدرة على فرض أسعار مرتفعة مقابل خدمات الذكاء الاصطناعي ستتراجع تدريجياًوفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن فيشال ميسرا، نائب عميد الحوسبة والذكاء الاصطناعي في كلية الهندسة بجامعة كولومبيا، قوله: " لا تحتاج الشركات إلى نموذج يفهم الجاذبية الكمية"، مضيفاً أن النماذج مفتوحة المصدر أصبحت تتمتع بقدرات عالية، ما يعني أن" القدرة على فرض أسعار مرتفعة مقابل خدمات الذكاء الاصطناعي ستتراجع تدريجياً".
سباق الذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدةولا يقتصر السباق على الصين، إذ بدأت شركات التكنولوجيا الأميركية بدورها بتطوير نماذج أقل تكلفة وأكثر كفاءة.
فقد كشفت شركة" مايكروسوفت" (Microsoft) أخيراً عن مجموعة من النماذج الصغيرة التي تقول إنها قادرة على العمل بكفاءة أعلى مقارنة ببعض النماذج العملاقة، فيما أطلقت شركة" إنفيديا" (NVIDIA) عائلة نماذج" نيموترون" (Nemotron) منخفضة التكلفة، والتي بدأت تحظى باهتمام متزايد داخل السوق، كما دعمت شركة" ريفليكشن" (Reflection) الناشئة المتخصصة في تطوير نماذج مفتوحة المصدر.
وتظهر البيانات أن النماذج الصينية مفتوحة المصدر تحقق انتشاراً متسارعاً حتى داخل السوق الأميركية.
فبحسب منصة" فيرسل" (Vercel)، ارتفعت حصة" ديبسيك" من استخدامات الذكاء الاصطناعي على المنصة من 1% في إبريل إلى 17% في مايو، في نمو لافت خلال فترة قصيرة.
كما أصبحت" ديبسيك" الشركة الأكثر استخداماً على منصة" أوبن راوتر" (OpenRouter) منذ منتصف مايو، فيما أفادت المنصة بأن استخدام النماذج مفتوحة المصدر بين كبار عملائها نما بمعدل يفوق أربع مرات نمو النماذج المغلقة خلال الفترة الممتدة بين خريف 2025 وربيع 2026.
وأضافت الشركة أن أكثر من 500 مؤسسة انتقلت بالفعل من النماذج التجارية المغلقة إلى البدائل مفتوحة المصدر.
معركة" تكلفة المهمة" لا" تكلفة الرمز"ورغم انخفاض تكلفة النماذج مفتوحة المصدر بشكل كبير، فإن المقارنة لا تعتمد فقط على سعر الاستخدام المباشر.
ففي عالم الذكاء الاصطناعي تُقاس التكاليف عادة وفق عدد" الرموز" (Tokens) المستخدمة أثناء المعالجة.
وعلى هذا الأساس، فإن نموذج" فايبل 5" (Fable 5) الذي أطلقته" أنثروبيك" يزيد سعره بأكثر من 50 مرة لكل رمز مقارنة بنموذج" ديبسيك في 4 برو" (DeepSeek V4 Pro).
لا يقتصر السباق على الصين، إذ بدأت شركات التكنولوجيا الأميركية بدورها بتطوير نماذج أقل تكلفة وأكثر كفاءةإلا أن الباحثين يشيرون إلى أن النماذج التجارية المتقدمة، التابعة لشركات مثل" أوبن إيه آي" و" أنثروبيك" و" غوغل"، لا تزال تتفوق على منافسيها مفتوحي المصدر بفارق يتراوح بين أربعة وستة أشهر من حيث القدرات التقنية.
وفي بعض الحالات، تستطيع هذه النماذج إنجاز المهام المعقدة باستخدام عدد أقل من الرموز، ما يؤدي في النهاية إلى خفض التكلفة الإجمالية رغم ارتفاع تكلفة الرمز الواحد.
ولهذا السبب، بدأت الشركات تعتمد معياراً جديداً يتمثل في" تكلفة إنجاز المهمة كاملة" بدلاً من التركيز على" تكلفة الرمز".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك