أصبح الإصلاح الإداري يمثل ركيزة أساسية في مسيرة الأمم نحو التنمية المستدامة، وعلوم الإدارة الحديثة تؤكد حقيقة لا جدال فيها، مؤداها أنه لا يمكن لأي دولة أن تحقق طفرة تنموية حقيقية دون جهاز إداري كفء وفاعل.
في هذا السياق، يهتم الرئيس عبد الفتاح السيسي بتطوير الجهاز الإداري للدولة، ما يعني إدراك القيادة السياسية المصرية لأعمق معادلات النجاح المؤسسي، وهو ما كشف عنه بوضوح الاجتماع الأخير للرئيس مع كبار المسئولين لمتابعة ملف حوكمة التعيينات والترقيات والوظائف القيادية.
تستند الرؤية الرئاسية إلى أحدث مفاهيم الإدارة الحديثة، وفـي مقدمتها مفهوم الحوكمة المؤسسية، الذي يمثل أكثر من مجرد تفعيل الأدوات الرقابية، فنحن أمام ثقافة تنظيمية متكاملة تضمن الشفافية والمساءلة والكفاءة.
وتوجيه الرئيس بتعزيز ترشيد استخدام الموارد وتحقيق مستويات أعلى من الحوكمة، يترجم بدقة نموذج «الجهاز الإداري الرشيد» الذي تطرحه مدارس الإدارة العامة المعاصرة.
وهنا يتجلى أحد أهم إنجازات دولة 30 يونيو، التي لم تطرح «الإصلاح الإداري» كشعار، وحولته إلى مشروع وطني منظم.
وما تحقق حتى الآن من تطوير لهيكل الجهاز الإداري، وإنشاء الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب، وكذلك تطوير أداء الهيئات المتخصصة كالجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، يبلور نموذج «الدولة القادرة» التي يسعى الرئيس السيسي إلى تأسيسها والانطلاق بها.
لم يعد تطوير الجهاز الإداري للدولة مجرد مسألة تنظيمية أو إجرائية، لكنه أصبح أحد أهم مرتكزات بناء الدول الحديثة، وتعزيز قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة، ومواجهة التحديات المتسارعة في عالم يتسم بالمنافسة والتغيير المستمر.
ومن هذا المنطلق تأتي توجيهات الرئيس السيسي بمواصلة تطوير الجهاز الإداري للدولة، وتعزيز الحوكمة والشفافية والكفاءة المؤسسية، باعتبارها جزءاً أصيلاً من مشروع وطني متكامل يستهدف بناء جمهورية جديدة قادرة على مواكبة معايير الإدارة العالمية الحديثة.
تؤكد علوم الإدارة المعاصرة أن نجاح أي دولة في تحقيق التنمية الشاملة لا يرتبط فقط بحجم الموارد المتاحة، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وفاعلية.
والدول التي حققت طفرات تنموية كبرى اعتمدت على بناء مؤسسات قوية، وتطبيق نظم الحوكمة الرشيدة، والاستثمار في رأس المال البشري باعتباره المحرك الأساسي للتقدم.
وهو ما يتجسد بوضوح في الرؤية المصرية الحالية التي تضع الإنسان والمؤسسة في قلب عملية الإصلاح.
وبطبيعة الحال فإن المؤسسات الناجحة هي تلك التي تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتعتمد على معايير موضوعية وشفافة في الاختيار والترقية بعيداً عن الأهواء أو الاعتبارات غير المهنية.
من هنا تأتي أهمية تطوير نظم التقييم الإلكتروني وتحديث آليات اختيار القيادات، بما يضمن تكوين صف ثانٍ وثالث من الكوادر القادرة على قيادة المستقبل.
وينسجم التوجه نحو ترشيد استخدام الموارد مع مفاهيم الإدارة الرشيدة والإدارة القائمة على الكفاءة التشغيلية، والـتي تهدف إلى تحقيق أفضل النتائج بأقل تكلفة ممكنة، مع القضاء على الهدر وتعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة.
الإدارة الحديثة الآن لا تقاس بحجم الإنفاق، وإنما بمعدل العائد على الموارد المستخدمة، وهو ما تسعى الدولة المصرية إلى ترسيخه في مختلف مؤسساتها وقطاعاتها المختلفة.
وفـي هذا السياق، يمثل الاستثمار في العنصر البشري أحد أبرز محاور الإصلاح الإداري الجاري تنفيذه، فوفقاً لنظرية رأس المال البشري التي تُعد من أهم النظريات الإدارية والاقتصادية الحديثة، فإن الإنفاق على التدريب والتأهيل ليس مجرد تكلفة، لكنه استثمار طويل الأجل ينعكس على جودة الأداء والإنتاجية والقدرة التنافسية للمؤسسات.
ما يميز التجربة المصرية بعد 30 يونيو هو التكامل بين الرؤية السياسية والإطار المؤسسي والأدوات التنفيذية، فالتوجيهات الرئاسية تتحول إلى خطط تنفيذية بمتابعة من مجلس الوزراء، وتنفيذ من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ورقم أو رقابة من هيئة الرقابة الإدارية، وتدريب من الأكاديمية الوطنية.
هذا التكامل المؤسسي هو ما يعطي دفعة حقيقية لمسيرة الإصلاح الإداري، وإعداد القيادات وصناعة الكوادر المؤهلة لقيادة مؤسسات الدولة.
وللحديث بقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك