منذ شهرين والولايات المتحدة وإيران في حالة تفاوض، لا يكاد يقترب فيها الطرفان من حافة الهاوية حتى يعودا إلى حيث التفاؤل بدنو الفرج.
جرت اللقاءات وصياغة المقترحات عبر قنوات وسيطة، وهذا جهد قادته إسلام آباد والدوحة، حيث نُقلت مسوّدات الشروط والتعديلات بين وزير الخارجية الإيراني والمبعوثين الأمريكيين.
تراوحت الوساطتان بين نزع فتيل أكثر من مناوشة وحادثة، كان بإمكانها أن تفضي الى الاطاحة بالهدنة الهشة والجزئية من الأساس، وبين اقتراح مسوّدات اتفاق مكتوبة.
تعاملت اسلام آباد والدوحة مع دولتين صعبتين: أمريكية وإيرانية، لكل منهما عقلية سياسية متصلّبة وأوراق ضغط قوية تجعل التنازل بينهما أمراً معقداً للغاية، كما لكل منهما الخشية من بعد السقف العالي للحرب من الظهور بشكل مساوم، بل ملهاتي، قياسا إمّا على التضحيات بالنسبة للإيرانيين الذين بدأت الحرب الأخيرة عليهم بقتل المرشد، وإمّا قياسا على الانتظارات، حيث يصعب «تدوير» حرب كانت تعتزم بالأساس تفكيك نظام، لأجل تحويلها الى حرب تعديل في مسلكيات هذا النظام ليس أكثر.
من ناحية، تعتدُّ الولايات المتحدة بتفوقها الامبراطوري العسكري العابر للبحار، وتكابر على تعقيدات المدى المحيط بإيران التي حدت بنفس الدول المشتكية من النزعات الهيمنية للأخيرة الى الشكوى مع ذلك من مناخ حرب إقليمية طويلة الأمد.
ومن ناحية ثانية، توهم إيران نفسها بأنه ثمة وجه للندّية مع الولايات المتحدة، لكن النظام المنبثق عن الثورة الإسلامية فيها يتميز بقدرة على الاحتمال وثقة بالإطار العقائدي الذي يعتمده بشكل صعب أن يتكرر في حال إيران ما حدث في العراق ويوغوسلافيا.
ففي نهاية المطاف، الموضوع الأساسي لا يتصل لا بمضيق هرمز ولا حتى بالنووي، وإنما بدور إيران الاقليمي والدولي.
اليوم، بعد شهرين من التفاوض الممتزج بالضربات المتبادلة والتخبط الخطابي للرئيس الأمريكي، وما يقابل ذلك من استفحال الحرب الاسرائيلية في جنوب لبنان، نصل الى لحظة نشر مذكرة تفاهم مؤقتة لمدة ستين يوما.
ستون يوما من أجل التوصل الى مذكرة لستين يوم.
العناوين الأبرز لهذه المذكرة تتصل بالملاحة في مضيق هرمز ومنطقة الخليج.
إعادة فتح إيران للمضيق أمام الملاحة الدولية بشكل حر وبدون فرض أي رسوم، مع تطهير الممر المائي ونزع وإزالة جميع الألغام البحرية من المضيق خلال 30 يوماً، يقابلها تخفيف الحصار البحري تدريجياً عن الموانئ الإيرانية وتسهيل بيع النفط، والسماح لطهران باستئناف تصدير وبيع نفطها.
المذكرة «هرمزية» بامتياز في مرحلتها الحالية، حيث تركز على تأمين ممرات الطاقة العالمية ووقف الحرب البحرية الفورية، بينما تؤجل الملف النووي المعقّد إلى جولات تفاوض لاحقة، حيث لا تقدّم حلاً تفصيلياً لأجهزة الطرد المركزي أو نِسب التخصيب العالية، بل تكتفي بـ «التزام عام» بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي.
تم ترحيل الملف النووي إلى ما بعد نجاح الاتفاق البحري.
لكن أن يؤجل الاتفاق الملف النووي الذي كان الذريعة لشن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وأن يتركز على معالج قضية ملف هرمز الذي لجأت إيران الى توظيفه لعرقلة أهداف الحرب عليها، ما جعل ترامب يهدد بضرب بنى الطاقة فيها، والإجهاز على حضارتها، ثم يعدل ذلك الى تفاوض، ويدخل التفاوض بعد كل ما حصل في الأخذ والرد حول «اجراءات بناء الثقة»، فكل هذا يشي بعشوائية صميمة.
لكن الواقع، بمذكرة تفاهم أو من دونه، في حدود مهلة الستين يوماً أو من بعدها، هو واقع ينحو الى الارتياب أكثر بكثير من بناء مستحيل للثقة في «وكر الدبابير الكوني» هذا.
ففي نهاية المطاف، الموضوع الأساسي لا يتصل لا بمضيق هرمز ولا حتى بالنووي، وإنما بدور إيران الاقليمي والدولي.
هل إيران دولة ترابية من جملة هذه الدول أو دولة وطنية من ناحية، وامبراطورية ثيوقراطية ثورية تضم الحرس الثوري والفصائل الموالية أو المتحالفة معه من جهة ثانية؟ هذه الازدواجية تخلق معضلة مستمرة للمجتمع الدولي ولواشنطن: عندما تضغط أمريكا على إيران كدولة، تحاول طهران استخدام الدبلوماسية الرسمية، وعندما تواجه حصاراً أو تهديداً، تحرك وجهها «الثوري الإمبراطوري» عبر الفصائل للضغط على خصومها في الإقليم.
وهنا يظهر الالتباس الضاغط على مذكرة التفاهم لا سيما إذا ما خلت أيضا عن أي لحظ لمآل الصواريخ الباليستية الايرانية.
فهل تسري التهدئة التي تعد بها هذه المذكرة على جبهة لبنان أيضا، أم تشرع إيران على العكس من ذلك في تخفيف اعتمادها على وكلائها في المنطقة؟حتى الساعة، الرغبة في تخفيف التوتر في مضيق هرمز تقابَل ليس فقط بتصاعد الحرب في الجنوب اللبناني، بل في تحول لبنان الى الحلقة الأضعف على صعيد الاقليم ككل.
من الناحية الإيرانية، لأن حزب الله يمثل قوة متقدمة رئيسية موالية لنظام ولاية الفقيه في مواجهة الدولة العبرية.
ومن الناحية الإسرائيلية لأنه حين لا يسمح لتل أبيب أمريكيا بشن حرب منفردة ضد إيران يغض الطرف في المقابل عن تدميرها وتهجيرها واحتلالها للجنوب اللبناني.
التلاقي بين المتضادين إذاً على تحويل لبنان الى ساحة صراع بينهما.
هذا في وقت يجري التعويل فوق ذلك على بوابة لبنانية لاستئناف الاتفاقيات العربية مع إسرائيل، بما من شأنه تجذير القسمة بين «لبنانين».
وتبقى المشكلة المباشرة على هذا الصعيد في كيفية تثمير مناخ مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية لإعادة ربط سحب مقاتلي حزب الله من جنوب الليطاني بانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة الى الحدود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك