أكثر ما يثير الدهشة في حياة البشر أن كثيرين يقفون بعيدًا عن ساحة المعركة، يراقبون الغبار المتصاعد من بعيد، ويتابعون أنفاس المتسابقين المتقطعة، ثم لا يتحركون خطوة واحدة نحوهم إلا عندما يرون راية النصر ترتفع في الأفق!عندها فقط يخرجون من مخابئ الانتظار، ويقدمون أنفسهم بوصفهم جزءًا من الحكاية، وشركاء في الإنجاز، وورثة طبيعيين للجائزة، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين كانوا عندما كان الطريق موحشًا؟ أين كانت أصواتهم عندما كان الفشل احتمالًا أكبر من النجاح؟ وأين كانت نصائحهم ومساندتهم عندما كان صاحب الهدف يسير فوق أرض مليئة بالأشواك والألغام؟إن الإنسان لا يختبر حقيقة من حوله في لحظات النجاح، بل في لحظات الشك.
فحين تكون السفينة قوية وممتلئة بالكنوز، يصبح الجميع بحارة محترفين.
أما عندما تتلاطم الأمواج وتوشك الأخشاب على الانكسار، فإن معظم الركاب يختفون أو يقفزون إلى قوارب النجاة.
لهذا فإن النجاح ليس اختبارًا لقدرات المنتصر فقط، بل هو أيضًا اختبار أخلاقي لمن يحيطون به.
الغريب أن كثيرًا من الناس لا يريدون المشاركة في المخاطرة، لكنهم يريدون المشاركة في المكافأة.
لا يريدون دفع الثمن، لكنهم يريدون اقتسام الأرباح.
لا يريدون السهر الطويل، ولا القلق، ولا الخسائر، ولا السقوط المتكرر، لكنهم يرغبون في الظهور داخل الصورة الأخيرة التي تُلتقط عند منصة التتويج.
كأنهم يؤمنون بأن الزمن يجب أن يمحو كل المراحل السابقة، وأن النتيجة النهائية وحدها هي التي تمنحهم حق الادعاء بالشراكة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في النفس البشرية.
فالناس لا تنجذب إلى الجهد بقدر انجذابها إلى نتائجه.
لا تحب النار التي تصهر الحديد، لكنها تعشق السيف اللامع بعد اكتماله.
لا تلتفت إلى البذرة المدفونة في الظلام، لكنها تتزاحم تحت ظل الشجرة عندما تكبر.
لذلك يصبح النجاح مغناطيسًا يجذب إليه حتى أولئك الذين لم يؤمنوا به يومًا.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن بعض المنتصرين أنفسهم ينسون هذه الحقيقة.
فبمجرد أن يحققوا النجاح يبدأون في توزيع الفضل على الجميع، حتى على أولئك الذين لم يكونوا حاضرين في الرحلة.
يفعلون ذلك بدافع الكرم أحيانًا، أو بدافع المجاملة أحيانًا أخرى، لكن النتيجة واحدة: تضيع الحدود بين من حمل الحجر ومن وقف متفرجًا عليه، وبين من قاتل ومن اكتفى بالتصفيق.
إن العدالة ليست أن يحصل الجميع على النصيب نفسه، بل أن يحصل كل إنسان على ما يعادل أثره الحقيقي في المعركة.
فالذي وقف بجانبك عندما كانت الاحتمالات ضدك يستحق مكانة لا ينافسه فيها أحد.
والذي خاطر معك عندما كان الفشل واردًا يستحق أن يذكر اسمه قبل أن تذكر أسماء الذين جاؤوا بعد اكتمال المشهد.
أما الذين لم يشاركوا إلا بعد ظهور النتائج، فمكانهم الطبيعي في صفوف المهنئين لا في سجلات الشركاء.
الحياة تعلمنا أن نكون حذرين من أولئك الذين يقتربون من الثمار ولا يقتربون من الجذور.
فالجذور هي التعب والخسارة والانتظار والشكوك والانكسارات الصغيرة التي لا يراها أحد.
أما الثمار فهي الجزء المرئي فقط من قصة طويلة لا يعرف تفاصيلها إلا أصحابها.
ومن الظلم أن تُختصر سنوات الكفاح كلها في لحظة احتفال يتزاحم فيها القادمون المتأخرون.
ولهذا فإن السؤال الاستنكاري سيبقى مطروحًا دائمًا: لماذا ينتظر البعض وصول الحصان إلى خط النهاية حتى يعلنوا أنهم كانوا معه منذ البداية؟ ولماذا يتحول النصر فجأة إلى ملكية عامة بعد أن كان مشروعًا فرديًا يهرب الجميع من الاقتراب منه؟ربما لأن النجاح يكشف المعادن أكثر مما يصنعها.
فهو لا يغير الناس بقدر ما يكشف حقيقتهم.
يكشف من كان مؤمنًا بالفكرة، ومن كان مؤمنًا بالنتيجة فقط.
يكشف من أحب الرحلة بكل ما فيها من تعب، ومن أحب الوصول وحده.
ويكشف أخيرًا أن أعظم الجوائز ليست المال ولا الشهرة، بل معرفة أولئك الذين بقوا بجوارك عندما لم يكن هناك ما يربحونه سوى القرب منك!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك