العم خالد عبدالنعيم، من قرية عزبة الشيخ سويف التابعة لمركز الفتح، اختار لنفسه أن يكون محطة للرحمة وسط صحراء قاسية لا تعرف الظل إلا نادرا، لا لافتة تعرفه، ولا إعلان يعلن عن وجوده، فقط جراكن وإبريقات بلاستيكية مصطفة بجوار سور الطريق، تلمع تحت الشمس وهي مملوءة بمياه باردة يحرص على تبريدها يوميا بالثلج.
مع حلول الساعة الثانية ظهرا، يبدأ العم خالد طقسه اليومي الذي لم يتغير منذ عامين، فيجهز المياه، يضع الثلج، ويرتب الجراكن بعناية، ثم يقف في انتظار المارة سيارات" ملاكي - ميكروباصات - أجرة - شاحنات"، إلى جانب عمال عائدين من الحقول أو متجهين إلى أعمالهم، جميعهم يعرفون هذا المكان جيدا.
يقول العم خالد، وهو يقف تحت شمس لا ترحم: " ده عمل صدقة جارية على روح أبويا.
بقالي سنتين كل يوم بوزع ميه على الناس، من الصبح أشتري ألواح الثلج، وأحطها في الجراكن عشان المياه تفضل ساقعة لأطول وقت ممكن".
لم يعد الطريق مجرد ممر سريع للسيارات، بل تحول مع الوقت إلى محطة إنسانية صغيرة، يتوقف عندها العابرون دون تفكير، بعضهم يمد يده تلقائيا نحو كوب الماء البارد كأنه يلتقط لحظة نجاة من حر خانق، وآخرون يمرون ومعهم زجاجاتهم، لكنهم لا يفوتون فرصة التوقف احتراما لمشهد بات مألوفا ومؤثرا في الوقت نفسه.
يقول أحد المارة، وهو يترجل من دراجته البخارية ليلتقط أنفاسه: " كل مرة بعدي من هنا رايح أو جاي لازم أقف عند عم خالد، نشرب مية ساقعة وندعي له، مفيش حد بيعدي إلا ويترطب ويكمل طريقه بدعوة حلوة".
ومن الميكروباصات القادمة من أسيوط الجديدة، إلى السيارات المتجهة نحو القاهرة، يعرف الجميع هذا الركن الصغير على الطريق الصحراوي، توقف سريع، كوب ماء بارد، ابتسامة، دعوة صادقة، ثم يعود الطريق إلى صمته الحار وكأن شيئا لم يكن، بينما تبقى الأثر الإنساني حاضرا في الذاكرة.
وهكذا، دون ضجيج أو إعلان، تحول العم خالد إلى علامة إنسانية على طريق قاس، رجل بسيط حول الماء إلى صدقة مستمرة، والعطش إلى دعوات لا تنقطع، والحر القاسي إلى مساحة صغيرة من الرحمة تمشي على قدمين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك