لم تعد المواجهة بين القوات العراقية وتنظيم" داعش" الإرهابي تقتصر على ملاحقة القيادات الميدانية أو تفكيك الخلايا المسلحة المنتشرة في المناطق الصحراوية والنائية، بل اتخذت مساراً أكثر تعقيداً يتمثل في استهداف البنية المالية والإدارية التي يعتمد عليها التنظيم للحفاظ على بقائه، في معركة يصفها متخصصون بأنها حرب على" الشرايين الخفية" التي تمد ما تبقى من عناصره بأسباب الاستمرار.
وجاء إعلان مديرية الاستخبارات العسكرية، السبت الماضي، القبض على المدعو" أبو مصعب"، المسؤول الأول عن توزيع ما يعرف بـ" الكفالات" أو المستحقات المالية لعناصر" داعش" وعائلاتهم ضمن ما يسمى" ولاية الفرات"، ليكشف جانباً من هذه المعركة التي انتقلت من استهداف القيادات والعناصر المسلحة إلى ملاحقة الأموال وشبكات الدعم.
ضربة تستهدف البنية الماليةوأعلنت مديرية الاستخبارات العسكرية، في بيان، أن مفارزها في قسم استخبارات وأمن فرقة المشاة السابعة، بالاشتراك مع قسم استخبارات ومكافحة إرهاب القائم، تمكنت في عملية أمنية خاطفة واستباقية، استناداً إلى معلومات استخباراتية دقيقة، من الإطاحة بأحد أبرز الكوادر الإدارية والمالية لتنظيم" داعش" في محافظة الأنبار.
وأوضح البيان أن العملية أسفرت عن اعتقال المدعو" أبو مصعب"، مشيراً إلى صدور مذكرة قبض بحقه وفق المادة (1/4) من قانون مكافحة الإرهاب، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقه.
ويشير نوع المهمة التي كان يتولاها المعتقل إلى أن التنظيم لا يزال يحتفظ بآليات داخلية لإدارة موارده المالية وتقديم الدعم لعناصره وعائلاتهم، بما يساعد على الحفاظ على تماسك شبكاته المتبقية.
من حرب القيادات إلى حرب الأموالخلال الأعوام الماضية، ركزت القوات العراقية على استهداف قادة التنظيم ومسؤولي مفارزه العسكرية، ما أدى إلى إضعاف هيكله القيادي بصورة كبيرة.
إلا أن التطورات الأخيرة تكشف عن انتقال متزايد نحو استهداف الإسناد اللوجستي وتحديداً شبكات التمويل التي يعتمد عليها التنظيم لضمان استمرار نشاطه.
ويرى الخبير في الشؤون الأمنية سالم المحمداوي أن الضربات التي تستهدف المسؤولين الماليين لا تقل أهمية عن استهداف القيادات العسكرية، لأن المال يمثل أحد أهم مقومات استمرار التنظيم، ومن دونه تصبح قدرته على تأمين حاجاته والحفاظ على ترابط خلاياه أكثر صعوبة.
وأضاف أن تنظيم" داعش" يعتمد منذ أعوام على نظام مالي قائم على اللامركزية، الأمر الذي يجعل الوصول إلى المسؤولين عن إدارة الأموال وتوزيعها إنجازاً استخباراتياً مهماً.
" الكفالات".
شبكة دعم داخليةوعلى رغم خسارته المناطق التي كان يسيطر عليها، احتفظ التنظيم ببعض الهياكل الإدارية التي تسمح له بتقديم مساعدات مالية لعناصره وعائلاتهم، وهو ما يعرف داخل التنظيم بـ" الكفالات".
وتشمل هذه المخصصات تقديم مبالغ مالية أو أشكال مختلفة من الدعم لعائلات القتلى والمعتقلين والعناصر المتوارية عن الأنظار، بهدف الحفاظ على الروابط التنظيمية ومنع تفكك ما تبقى من شبكاته.
ويشير باحثون في شؤون الجماعات المتطرفة إلى أن ملف إعالة العائلات يمثل جزءاً من منظومة الاستدامة التنظيمية، إذ يسهم استمرار الدعم المالي في الحفاظ على مستوى من الولاء والارتباط داخل التنظيم.
كيف يحصل" داعش" على الأموال؟على رغم انتهاء مرحلة سيطرة التنظيم على المدن، تشير تقديرات أمنية ودولية إلى أن" داعش" تمكن من الاحتفاظ بجزء من موارده المالية عبر وسائل متعددة، من بينها الأموال التي جرى إخفاؤها خلال أعوام سيطرته السابقة وعمليات الابتزاز والجباية غير المباشرة وبعض أنشطة التهريب عبر المناطق الحدودية والاعتماد على شبكات التحويل المالي غير الرسمية واستثمار جزء من الأموال المخزنة في أنشطة محدودة.
ويرى متخصصون أن التنظيم لم يعد يمتلك القدرات المالية التي تمتع بها بين عامي 2014 و2017، إلا أن الموارد المتبقية ما زالت تمكنه من الحفاظ على نشاط الخلايا الصغيرة والمتطرفة.
الأنبار.
أهمية جغرافية وأمنيةوتعد محافظة الأنبار، ولا سيما مناطق القائم والرطبة والصحراء الغربية، من المناطق التي تحظى باهتمام أمني خاص، نظراً لاتساع رقعتها الجغرافية وقربها من الحدود السورية.
ويؤكد مسؤولون أمنيون أن الطبيعة الصحراوية للمحافظة واتساع الحدود يجعلان المنطقة تحدياً مستمراً، ما يدفع الأجهزة الأمنية إلى الاعتماد بصورة أكبر على الجهد الاستخباراتي والتقنيات الحديثة، إلى جانب التنسيق بين مختلف التشكيلات الأمنية.
ويرى اللواء المتقاعد علي حسين أن المرحلة الحالية تختلف عن الأعوام السابقة، إذ لم يعد التنظيم يعتمد على معسكرات أو مقرات واضحة، بل على شبكات صغيرة تتولى إدارة الأموال وتأمين الحاجات الأساسية.
ويقول إن المعركة اليوم تتركز على تفكيك" الخزائن السرية" للتنظيم، سواء كانت أموالاً مخبأة أو شبكات تحويل أو مسؤولين يتولون توزيع الدعم، لأن تجفيف مصادر التمويل يحد من قدرة داعش على إعادة تنظيم صفوفه.
وأضاف أن استهداف المسؤولين الماليين يسبب حالة من الإرباك داخل التنظيم، لأن إيجاد بدائل موثوقة أصبح أكثر صعوبة في ظل تراجع قدراته البشرية وتزايد الضغوط الأمنية.
وتشير العمليات التي تعلن عنها الأجهزة الأمنية العراقية إلى وجود تحول واضح نحو العمل الاستخباراتي الدقيق، إذ أصبحت غالبية الضربات تستهدف شخصيات محددة وشبكات بعينها، بدلاً من الاعتماد على العمليات العسكرية واسعة النطاق.
ويؤكد متخصصون أن هذا الأسلوب يعكس تراكم الخبرات التي اكتسبتها المؤسسات الأمنية خلال أعوام الحرب على الإرهاب، فضلاً عن مستوى التنسيق القائم بين مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية.
وعلى رغم تراجع قدرات تنظيم" داعش" بصورة كبيرة مقارنة بالأعوام الماضية، أكد مسؤولون أمنيون أن التنظيم لا يزال يحاول الحفاظ على وجوده عبر الخلايا المتفرقة والشبكات السرية، ما يجعل طبيعة المواجهة الحالية مختلفة عن المراحل السابقة.
فبعد أن نجحت القوات العراقية في إنهاء سيطرة التنظيم على المدن، تبدو المعركة اليوم أكثر هدوءاً وأشد تعقيداً، إذ لم تعد تدور حول استعادة الأرض، بل حول تجفيف منابع التمويل وملاحقة" الخزائن السرية" التي تمثل أحد آخر الشرايين التي تمنح التنظيم القدرة على الاستمرار.
وفي هذا السياق، يمثل اعتقال مسؤول" الكفالات" في ما يسمى" ولاية الفرات" مؤشراً على انتقال الجهد الأمني العراقي إلى مرحلة أكثر عمقاً، عنوانها ملاحقة شبكات التمويل وتفكيك منظومات الدعم التي يحاول التنظيم الاعتماد عليها للحفاظ على ما تبقى من وجوده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك