على مدى السنوات القليلة الماضية، خفضت معظم الدول الأعضاء في منظمة التعاون الدولي والتنمية" أوسيد" مخصصات المعونة الإنمائية التي كانت تقدمها للدول الأشد فقرا، خاصة في أفريقيا.
وفي يوليو/ تموز الماضي، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء الوكالة الدولية للتنمية الدولية (يو إس إيد)، ما أدى إلى شطب حوالي 60 مليار دولار من المساعدات الإنمائية الرسمية التي كان يقدمها أغنياء العالم لفقرائه طبقا لأرقام 2023.
في هذه الأثناء، كانت الصين تعزز وجودها عملاقاً اقتصادياً ومانحاً إنمائياً لتملأ جزءاً من الفراغ الذي خلفه الانسحاب الأميركي والتخفيضات التي أقرتها الحكومات الأوروبية من فرنسا وهولندا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة في ميزانيات مساعداتها الخارجية، مخصصة تلك الأموال في حالات مثل بريطانيا مثلا لتعزيز القدرات الدفاعية بعد حرب أوكرانيا.
وحسب تقرير أصدرته" أوسيد" في العام الماضي، فإن قطاع الصحة العامة كان الأكثر تضررا في العالم الماضي، إذ انخفض الإنفاق عليه بنسبة تراوحت بين 9% إلى 17%، إضافة إلى انخفاض بنسبة 9% في عام 2024.
وتشير ورقة نشرها معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي في العام الماضي إلى أن هذه الأسباب جعلت النموذج الصيني للتنمية يكتسب نفوذاً أكبر في ظل انحسار دور المانحين الغربيين التقليديين.
ويشير تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ، اليوم الثلاثاء، إلى الجهود الصينية لدعم برامج الإعانة الإنسانية في أفريقيا وآسيا.
ففي مارس/ آذار الماضي، أعلنت بكين تقديم 3.
5 ملايين دولار مساعدات غذائية لزامبيا التي تتعافى من موجة جفاف مدمرة.
كما تعهدت بتقديم خمسة آلاف طن متري من الأرز إلى زيمبابوي للحد من الجوع.
وحصلت أنتيغوا وبربودا على منحة بقيمة 14 مليون دولار لإنشاء شبكات مياه ومشاريع للطاقة الشمسية وبنى تحتية أخرى، فيما مُنحت تنزانيا 41.
6 مليون دولار لإنشاء مركز متخصص لعلاج أمراض القلب لدى الأطفال.
كما تلقت كمبوديا 4.
4 ملايين دولار لتمويل إزالة الألغام الأرضية القديمة، وهو مجال كانت الولايات المتحدة تساهم في دعمه سابقاً.
وكانت الولايات المتحدة تقدم أكثر من 40% من إجمالي المساعدات الإنسانية العالمية، قبل أن تخفض إدارة ترامب برامج المساعدات وتفكك عملياً وكالة التنمية الدولية.
وقد وفرت المليارات التي كانت تُرسل سنوياً إلى الخارج للولايات المتحدة قدراً كبيراً من النفوذ السياسي، إذ كانت واشنطن تضغط على الحكومات المستفيدة من المساعدات لـ" حماية اقتصاد السوق وإجراء انتخابات نزيهة واحترام حقوق الإنسان"، أو على الأقل للتموضع إلى جانب الولايات المتحدة بدلاً من خصومها، وعلى رأسهم الصين.
وعندما بدأت الولايات المتحدة تقليص مساعداتها، انتشرت تكهنات حول ما إذا كانت الصين ستندفع لسد الفجوة التمويلية الهائلة وتنتزع لقب أكبر مانح في العالم.
وبعد نحو عام ونصف العام، أصبح الجواب واضحاً: ليس تماماً.
فالصين لا تستطيع منافسة المليارات التي كانت الولايات المتحدة تخصصها للمساعدات الخارجية، كما أنها لا تسعى إلى ذلك أصلاً.
فبالرغم من أن بكين طالما قدمت مساعدات خلال الكوارث الطبيعية والمجاعات - وهي حالياً ترسل مواد غذائية إلى كوبا - فإن مساعداتها الخارجية تتركز أساساً على القروض التنموية وليس على المنح الغربية التقليدية التي تُدار عبر المنظمات غير الحكومية.
قد خصصت الصين نحو 24.
9 مليار يوان (3.
6 مليارات دولار) لبند" المساعدات للدول الأجنبية" في ميزانية عام 2024، وفقاً لوزارة المالية الصينية.
ويُقارن ذلك بنحو 64 مليار دولار رصدتها الولايات المتحدة للمساعدات الخارجية غير العسكرية في العام نفسه.
يشير تقرير بلومبيرغ إلى أن سياسة" أميركا أولاً" التي تنتهجها إدارة ترامب في مجال المساعدات تقوم على استبدال كثير من المنح باتفاقات قائمة على تبادل المنافع.
وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، يجب أن" تخدم المساعدات المصالح الأميركية، وتحقق نتائج قابلة للقياس، وتعزز مسؤولية الدول المستفيدة".
وفي التطبيق العملي، يعني ذلك أن الدول الساعية للحصول على دعم أميركي غالباً ما يتعين عليها تقديم شيء ذي قيمة في المقابل.
وقد قوبل شعار الإدارة الأميركية" التجارة لا المساعدات" بردود فعل متباينة.
فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وقّعت أكثر من 20 دولة أفريقية اتفاقات ثنائية مع الولايات المتحدة لتمويل مشاريع صحية، لكن دولاً أخرى أبدت تحفظات على بعض البنود.
فقد ذكرت زيمبابوي وغانا أن واشنطن طلبت وصولاً واسعاً إلى البيانات الصحية، وربما إلى معلومات شخصية حساسة، ما أثار مخاوف تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات.
كما أشارت زامبيا وزيمبابوي إلى أن المفاوضات تضمنت نقاشات حول توسيع وصول الولايات المتحدة إلى احتياطياتهما من النحاس والكوبالت والمعادن النادرة الأخرى المستخدمة في صناعة أشباه الموصلات وبطاريات السيارات الكهربائية.
وقد رفضت هذه الدول صفقات أميركية تزيد قيمتها الإجمالية على مليار دولار، بينما قبلت منحاً صينية أصغر بكثير.
ومنذ عام 2013، جاء الجزء الأكبر من المساعدات الخارجية الصينية عبر مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها القيادة الصينية لتمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة في أكثر من 150 دولة، بما يشمل الطرق السريعة والسكك الحديدية والسدود والجسور والمطارات، عبر قروض وتمويلات تجاوزت قيمتها تريليون دولار.
وتؤكد بكين أن هدف المبادرة هو تمكين الدول الشريكة وتعزيز قدراتها التنموية، لا تكريس تبعيتها.
لكن هذه القروض تخدم أيضاً أهدافاً اقتصادية واستراتيجية صينية، إذ تُسدد غالباً بفوائد، كما تعتمد المشاريع في كثير من الأحيان على مواد ومقاولين وعمالة صينية.
وقد أدى ذلك أحياناً إلى توترات، إذ واجهت دول مثل لاوس وباكستان وسريلانكا صعوبات في سداد ديونها للصين، واضطرت بعضها إلى إعادة التفاوض بشأن شروط القروض أو تمديد آجال السداد.
ورغم هذه الانتقادات، لا تبدو الصين في وارد التخلي عن مبادرة الحزام والطريق، بل إن عدد الاتفاقات الجديدة ارتفع مجدداً بعد التباطؤ الذي شهدته خلال جائحة كوفيد-19.
ومع ذلك، بدأت بكين بالفعل في تحويل تركيزها من المشاريع العملاقة المكلفة إلى ما تسميه" المشاريع الصغيرة والجميلة"، وهي مبادرات أقل عبئاً مالياً وأسرع في تحقيق نتائج ملموسة، وتشمل أحياناً منحاً تُقدم عبر منظمات دولية، مثل برنامج تمويل مكافحة الإيدز في جنوب أفريقيا.
ورغم أن بكين قد ترحب بالانطباع القائل إنها تملأ الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، فإن بعض مبادراتها الأخيرة قد تكون مدفوعة بأهداف أخرى، من بينها إعادة بناء الثقة مع دول تربطها بها علاقات معقدة.
فزامبيا، التي تلقت مساعدات غذائية هذا العام، مدينة للصين بأكثر من 4 مليارات دولار نتيجة قروض استخدمت في تمويل طرق ومطارات ومحطة كهرومائية.
ووفقاً لبيانات موقع" إيد داتا" (AidData)، بلغ إجمالي التمويل الإنمائي الدولي الذي قدمته الصين بين عامي 2000 و2023 أكثر من 1.
22 تريليون دولار.
ويتركز هذا التمويل بشكل أساسي على المشاريع والبنية التحتية، ويتم صرفه عبر قروض ميسرة أو تجارية، وائتمانات تصدير، واستثمارات.
أما المساعدات الإنمائية الرسمية الصينية، التي تأتي في شكل منح وقروض بدون فوائد وقروض ميسرة، فتمثل نحو 11% فقط من الإجمالي، بقيمة تبلغ 137 مليار دولار.
لهذه الأسباب تخلص ورقة معهد ستوكهولم لأبحاث السلام إلى أن الصين ليس لديها القدرة على أن تحل محل الولايات المتحدة ولا الدول الغربية بصفتها أكبر مانح عالمي، فبكين لا تزال حتى الآن تفضل التعامل مع الفاعلين الرسميين في الأنظمة والحكومات، فيما تفضل الدول الغربية وأميركا المنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية وخبراء الإغاثة والتنمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك