قناة التليفزيون العربي - إيلا كوكوتسيس: العالم بأسره يترقب التزام الطرفين بالاتفاق وفتح خطوط الملاحة يعكس نوايا إيجابية الجزيرة نت - هل تودع قطر عمال التوصيل وتستبدلهم بالروبوتات والطائرات المسيرة بحلول 2035؟ القدس العربي - غروندبرغ يدعو إلى استثمار التهدئة الإقليمية لإحياء العملية السياسية في اليمن إيلاف - "امرأة عارية تقتحم ملعب مباراة قطر وسويسرا".. ما صحة الفيديو المتداول؟ الجزيرة نت - وزير عراقي: نخسر 200 مليار دينار سنويا جراء فواتير الإنترنت غير الرسمية قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - ما التحديات التي تواجه ترمب في تسويق الاتفاق داخليا؟ الليوان - زمرد في زيارة لحبيبها سرحات بالسجن قناة الجزيرة مباشر - كيف تحول نادي باريس سان جيرمان إلى قوة كروية واقتصادية في أوروبا؟ إيلاف - دردشة على «سيغنال» تفضح المخطط.. FBI يحبط هجوماً على بطولة UFC قبل لحظة الانفجار الجزيرة نت - بين صلابة العويس ودموع فوزينيا.. كيف خطف الحراس نجومية المونديال من الهدافين؟
عامة

نظام العقوبات (3): بين غيرة "سعد" وحكمة التشريع

الغد
الغد منذ 1 ساعة

حين نقرأ قصة سعد بن عبادة سيد الأنصار لأول وهلة، قد نظن أننا أمام حديث عن الغيرة، لكن المتأمل فيها يكتشف أننا أمام لحظة تأسيسية في فلسفة التشريع الإسلام كله. اضافة اعلانلقد نزل قول الله تعالى: " وال...

حين نقرأ قصة سعد بن عبادة سيد الأنصار لأول وهلة، قد نظن أننا أمام حديث عن الغيرة، لكن المتأمل فيها يكتشف أننا أمام لحظة تأسيسية في فلسفة التشريع الإسلام كله.

اضافة اعلانلقد نزل قول الله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة"، فاستشعر سعد بن عبادة صعوبة الموقف من زاوية الطبيعة البشرية، فقال كلمته المشهورة: " لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه"، لم يكن سعد معترضاً على حكم الله، ولا متشككاً في عدالة التشريع في وجوب إشهاد أربعة شهود، ولكنه كان يتحدث بلسان الطبيعة البشرية، حين تتعارض انفعالاته الفورية، مع متطلبات العدالة التشريعية والقانونية، فالغيرة شعور مشروع، لكن العقوبة لا تدار بالمشاعر، وإنما هي حكم جزائي له شروطه وإجراءاته وضماناته.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني"، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر أصل الغيرة، ولكن نقل النقاش مباشرة إلى مستوى أعمق، فليس كل ما تبرره المشاعر تبرره الشريعة، لأن الشريعة جاءت لتضبط انفعالات البشر، فيما يترتب عليه حقوق للآخرين، وهذا الفرق بين المجتمعات البدائية، والمجتمعات القانونية، هو أن الأول يجعل الانفعال دليلاً، بينما الثاني يجعل الدليل فوق الانفعال، فلا يمكن أن يكون الإنسان المخلص في غيرته، هو الخصم والحكم والشاهد والمنفذ للعقوبة في نفس الوقت، ومن هنا جاء الشرع ليمنع احتكار الفرد للعدالة، ولم يترك الدماء لأمزجة الناس، مهما حسنت نياتهم، بل أخضعها لقواعد الإثبات، والإجراءات القضائية.

ولقد ظهر ذلك بوضوح عندما التفت للأنصار، وقال لهم: " أتسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمْهُ فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فأعاد سعد تسليمه للحكم الشرعي فقال: والله إني لأعلم يا رسول الله أنها لحق، وأنها من عند الله، ولكني عجبت".

ثم يواصل النبي صلى الله عليه وسلم تأسيس المنهج التشريعي فيقول: " ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين"، فالله مع كمال علمه وقدرته لا يؤاخذ الخلق حتى تقوم عليهم الحجة والدليل، فمن باب أولى ألا يملك البشر معاقبة بعضهم بمجرد الظنون والانفعالات أو الشبهات، ولهذا اشترطت الشريعة في إثبات جريمة الزنا من الضمانات ما لم تشترطه في غيرها، حماية للأعراض أن تتخذ غرضاً في المجتمع، وحماية للناس من التسرع في الاتهام من جهة أخرى.

غير أن الشريعة لم تتجاهل الإشكال الإنساني الذي أثاره سعد بن عبادة، فقد تقع الحادثة بين زوجين يستحيل معها وجود أربعة شهود، ولهذا لما جاء هلال بن أمية يتهم زوجته بالزنا، فطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أربعة شهود، وإلا أقام عليه حد القذف ثمانين جلدة، أنزل الله تشريعاً جديداً وهو آيات اللعان من سورة النور، الآيات [6-9]، حيث شرع لكل واحد من الزوجين أن يقسم أقساماً متكررة على صدقه وكذب الآخر ثم يفرق بينهما.

بهذا لم يعالج الإسلام المشكلة بإباحة القتل، ولم يعالجها بإلغاء معاناة الزوج، بل أنشأ مساراً قضائياً يحقق العدالة للطرفين.

وهنا تتجلى المقاصد العليا للشريعة، فالشريعة لا تحمي الأخلاق بهدر الحقوق، ولا تدافع عن الأعراض بإطلاق سلطة الانتقام، ولا تعالج الجريمة بجريمة أخرى، وإذا تعارضت المقاصد الكبرى الخمس في الشريعة فيقدم الكلي منها على الجزئي، والعام على الخاص، فلا تحفظ الأعراض بهدم النفس، ولا يحفظ النسل بهدر الدماء، لأن الشريعة جعلت لكل مقصد طريقاً مشروعاً لتحقيقه، فإذا أهدر مقصد، بحجة حماية مقصد آخر خارج الضوابط الشرعية، انقلبت المصلحة إلى مفسدة، ولهذا فإن من أهم المقاصد أن الشريعة لم تجعل حفظ العرض موكولاً إلى غضب الأفراد، بل إلى القضاء والإثبات والعدالة، لأن فتح باب الدماء بحجة الشرف يؤدي بالنهاية إلى ضياع النفس والعرض معاً، لا إلى حفظ أحدهما.

*الباحث في الفكر الإسلامي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك