لا تعتبر القضية الفلسطينية مجرد قضية عادلة تعرضت للظلم وحسب، بل تحولت، بفعل أخطاء داخلية قاتلة، إلى نموذج نادر في العبث السياسي، رغم ما تمتلكه من شرعية أخلاقية وتأييد إنساني عالمي، وقبل كل ذلك شعب متمسك بحقوقه وارضه، ويطالب بتقرير مصيره.
في الذكرى التاسعة عشرة لانقلاب حركة حماس وسيطرتها على قطاع غزة بالقوة العسكرية، لا يبدو أن هناك أي مبرر لإعادة تدوير الخطاب ذاته أو تجميل الوقائع.
ما حدث في عام 2007 لم يكن “حسما” ولا “ضرورة اضطرارية”، كما تدعي حماس، بل كان انقساما مدمرا ضرب المشروع الوطني في الصميم، ولا تزال آثاره تتفاقم حتى يومنا هذا.
جرت تلك الأحداث في لحظة كانت فيها السلطة الوطنية الفلسطينية تدفع ثمن التزامها بنتائج الانتخابات، وتخضع لحصار قاسٍ، ومع ذلك سُلمت رئاسة الحكومة لحماس، ثم لحكومة الوفاق التي كانت ترأسها حماس بعد اتفاق مكة.
لكن الرد لم يكن شراكة سياسية، بل انقلابا عسكريا مكتمل الأركان، استُخدم فيه السلاح الذي كان يُفترض أن يكون موجها نحو الاحتلال وسلاحا للمقاومة.
منذ ذلك الحين، لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل أصبح واقعا مفروضا بالقوة، تُدار من خلاله غزة بمنطق التفرد والسيطرة، مهما كانت الكلفة الإنسانية والوطنية.
كل محاولات المصالحة التي رعتها عواصم عربية ودولية سقطت أمام شروط متصاعدة، لا تعكس حرصا على إنهاء الانقسام بقدر ما تعكس تمسكا بإدامته والحفاظ على السيطرة في غزة، وان كانت المحصلة ان المستفيد رقم واحد من هذه السيطرة هو الاحتلال.
واهمها تعطيل الحل السياسي.
اليوم تبدو النتيجة واضحة وقاسية: قطاع غزة ينهار إنسانيا في ظل الابادة الجماعية، ومساحته التي كانت تعتبر الاكثر كثافة بالسكان في العالم تضيق كل يوم، ووصلت الان اقل من 40%، ودمار ما تبقى يتوسع باستمرار، وسكان يدفعون الثمن دما وتشريدا، تتكرر مشاهدها يوميا منذ ثلاث سنوات بكل قسوة، بينما تُستثمر المعاناة سياسيا دون أفق حقيقي للخروج منها.
وفي الضفة، يتسارع الاستيطان ويشتد الحصار ويستمر تقويض السلطة، وتستخدمه حماس لإثبات فشل مشروع السلام، وكأنها لم تفعل شيئا لتعطيل الاتفاقيات الموقعة وتخريبها.
أما المفاوضات الجارية منذ أكتوبر 2023، لوقف اطلاق النار فهي في جوهرها لا تتعلق بوحدة القرار الوطني ولا بإعادة بناء المشروع الفلسطيني، بل تدور في مسار منفصل، يُدار عبر وسطاء، بينما يستغل الاحتلال الوقت لتنفيذ ابادة جماعية وفرض وقائع جديدة على الأرض يتم خلالها شطب مدن عن الوجود.
وهنا الحديث عن “حوار” في هذا السياق يبدو أقرب إلى وهم سياسي، أو إلى ما يمكن تسميته دون مبالغة: حوار طرشان، والسؤال لم يعد: لماذا فشلت الحوارات؟ بل: من المستفيد من استمرارها بهذه الطريقة؟وهل يعقل أن تكون كل هذه الدماء والتضحيات مجرد هامش في لعبة سياسية لا تضع المصلحة الوطنية في مقدمة أولوياتها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك