عمان - لم يكد خالد يسمع خبر تأهل المنتخب الأردني إلى كأس العالم حتى بدأ يرسم السيناريوهات: مع أي مجموعة سيلعب؟ وهل سيتمكن من تجاوز الدور الأول؟ وكيف سيواجه المنتخبات الكبرى؟ اضافة اعلانفي أقل من ساعة، تحول الفرح إلى شعور بالضغط، والاحتفال إلى سيل من التوقعات، والإنجاز التاريخي إلى نقطة انطلاق لمطالب جديدة.
لم يمنح خالد نفسه فرصة لالتقاط أنفاسه والاحتفاء باللحظة، بل انشغل بما هو قادم قبل أن يستوعب ما تحقق.
لكن قبل أن يبدأ خالد بحساباته، كانت الأردن كلها تعيش لحظة مختلفة.
فما إن أُعلن التأهل حتى خرج الناس إلى الشوارع، وارتفعت الأعلام من نوافذ السيارات، وتحولت الدوارات إلى ساحات فرح عفوية لم يخطط لها أحد.
عائلات خرجت من منازلها بملابس النوم، وشباب أوقفوا سياراتهم في منتصف الطريق، وأجداد ذرفوا الدموع وهم لا يصدقون ما يشاهدونه.
إنجاز مذهل يستحق الاحتفالوامتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع امتزجت فيها الدموع بالضحكات.
كتب أحدهم على" فيسبوك": " أبوي ما عاش يشوف هاليوم، بس أنا شفته عنه".
وكتبت أخرى: " أول مرة في حياتي أحس إن الكرة مش بس لعبة.
وجودنا بالمونديال شعور بالفخر والعز وتحقيق الحلم المنتظر".
كانت تلك لحظة الإعلان؛ الفرح في أنقى صوره، قبل أن تتسلل إليه الحسابات والتوقعات.
ومنذ إعلان التأهل التاريخي الأول إلى كأس العالم، انقسم المشجعون الأردنيون إلى فريقين؛ الأول يرى في هذا الإنجاز حدثا استثنائيا يستحق الاحتفال لذاته، بغض النظر عما سيأتي لاحقا، فيما سارع الفريق الآخر إلى تحميل اللاعبين توقعات تفوق ما يمكن لأي منتخب يشارك للمرة الأولى في كأس العالم أن يتحمله.
وبين هذين الموقفين، يضيع جزء من بهجة لحظة قد لا تتكرر كثيرا.
يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن هذه الظاهرة تعكس إشكالية أعمق في علاقة المجتمعات العربية بالإنجاز.
ويقول: " في مجتمعاتنا، اعتاد كثيرون على النقد أكثر من الاحتفال.
فعندما يحقق أحد إنجازا، نسارع إلى المقارنة والتقييم والتوقع، بدلا من أن نمنح أنفسنا لحظة نستحقها جميعا للفرح".
ويضيف أن تحميل المنتخب ما يفوق طاقته ليس تعبيرا عن طموح رياضي حقيقي، بل هو في كثير من الأحيان انعكاس لضغوط مجتمعية متراكمة يبحث الناس من خلالها عن متنفس.
وتستذكر فرح لحظة علمها بالتأهل، قائلة: " كنت في غرفتي، وسمعت صوت الاحتفال من التلفزيون، فخرجت أركض.
لم أكن أفكر بكأس العالم ولا بالمجموعات، بكيت لأنني لم أصدق أن الحلم أصبح حقيقة".
خلف المنتخب بعيدا عن التوقعات المبالغ فيهاأما الستيني أبو سعد، الذي يتابع كرة القدم الأردنية منذ ثمانينيات القرن الماضي، فيختصر شعوره بقوله: " كان حلما وتحقق.
لحظات لا توصف من الفخر".
ويرفض أبو سعد أي حديث عن التوقعات المبالغ فيها، مؤكدا أن هؤلاء اللاعبين قدموا كل ما لديهم، وأن الواجب اليوم هو تقدير ما أنجزوه والوقوف خلفهم بالكامل، لا أن يتحول الجمهور إلى مصدر ضغط عليهم.
وفي المقابل، يرى الشاب العشريني محمود أن وصول المنتخب الأردني إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه يمثل بحد ذاته إنجازا عظيما، وأن مشاهدة العلم الأردني في افتتاح المونديال مصدر فخر يؤكد أن مستقبل الكرة الأردنية يحمل الكثير من الآمال.
ويضيف أن الرسالة التي نشرها عبر" فيسبوك" للاعبين كانت بسيطة وواضحة: " أنتم فخرنا مهما كانت النتيجة.
اذهبوا واستمتعوا وارفعوا رؤوسنا".
التشجيع والثقة وقود حقيقي يصل إلى اللاعبوهذا ما تؤكده المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني، التي ترى أن التشجيع والثقة ليسا مجرد مشاعر جميلة، بل وقود حقيقي يصل أثره إلى اللاعب داخل الملعب.
وتوضح أن المنتخب عندما يشعر بأن شعبه يقف خلفه بثقة لا بضغط، فإنه يلعب بحرية وشجاعة أكبر.
أما عندما يشعر بأن سقف التوقعات مرتفع جدا وأن الخسارة غير مقبولة، خاصة في أول مشاركة بحدث عالمي، فإن الخوف من الفشل يسبقه إلى أرض الملعب قبل صافرة البداية.
وتضيف أن حالة الفرح الجماعي التي عاشها الأردنيون لحظة التأهل تمثل طاقة إيجابية ينبغي الحفاظ عليها ونقلها إلى اللاعبين.
وتقول: " اللاعب الذي يعرف أن شعبه فرح بوصوله قبل أي نتيجة، يدخل الملعب وهو محمول بالدعم لا مثقل بالضغوط".
وتؤكد أن لاعبي المنتخب حققوا ما لم يحققه أحد قبلهم، وصنعوا لحظة تاريخية أبكت الملايين فرحا، مشددة على أن المطلوب اليوم هو الحفاظ على هذا الشعور وعدم تعكير صفوه، والاكتفاء بالاحتفاء بهذا الإنجاز التاريخي، مع التطلع إلى تكراره في السنوات المقبلة.
وتختتم بالقول: إن المنتخب الأردني فعلها مرة، وسيكون قادرا على تكرارها مرات عديدة إذا وجد الدعم والثقة اللذين يستحقهما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك