العربي الجديد - عُمان تبني اقتصاد ما بعد هرمز... صحار على خريطة البطاريات العالمية وكالة سبوتنيك - مبابي يتخطى ميسي ويعتلي المركز الثالث في قائمة هدافي كأس العالم العربي الجديد - فرنسا تهزم السنغال في ليلة أرقام مبابي التاريخية العربي الجديد - اتفاق يريح الاقتصاد العالمي: ترقب لتدفق النفط والغاز القدس العربي - مهمة “كوماندوز” جديدة لرونار مع تونس التلفزيون العربي - مزاعم بتجاوزات وممارسات غير لائقة داخل مستشفى الشاطبي بمصر روسيا اليوم - المستشار الألماني يؤكد استعداد برلين للمشاركة في تأمين مضيق هرمز فرانس 24 - مونديال 2026: فرنسا ومبابي يوجهان إنذارا مبكرا بفوز صريح على السنغال روسيا اليوم - البرلمان الأذربيجاني يتهم فرنسا بشن هجمات هجينة فرانس 24 - مباشر-كأس العالم 2026: العراق يتحدى النرويج في مهمة عنوانها الفوز - فرانس 24
عامة

من الأخبار المزيفة إلى واقع زائف: كيف ننجو من أزمة المعلومات (2/2)

الغد
الغد منذ 1 ساعة

كاثرين فاينر* - (الإندبندنت) 6/5/2026من المفهوم تماماً أن ينكمش الناس على ذواتهم في أوقات الأزمات، وأن يتمسكوا بما هو مألوف. لكنني أعتقد أننا في حاجة إلى محاولة مساعدة الناس على رفع رؤوسهم والنظر إل...

كاثرين فاينر* - (الإندبندنت) 6/5/2026من المفهوم تماماً أن ينكمش الناس على ذواتهم في أوقات الأزمات، وأن يتمسكوا بما هو مألوف.

لكنني أعتقد أننا في حاجة إلى محاولة مساعدة الناس على رفع رؤوسهم والنظر إلى الخارج، نحو الآخرين، وإعادة بناء الروابط في ما بينهم.

ويمكن للصحافة الجيدة أن تفعل ذلك.

إنها تستطيع، عندما تُمارَس بشكل سليم، أن تغذي وتنعش الحياة المدنية، وتبني فهماً مشتركاً للواقع، وتخلق نوع الروابط التي يفتقدها الناس الآن ويحنّون إليها.

قبل أن أتحدث عن صحافة" الغارديان"، سأبدأ بما يجعل هذه الصحافة ممكنة أصلاً.

وينبغي أن أعترف بأن عبارة" نموذج الملكية" قد لا تثير حماس الكثيرين.

لكنها مهمة حقاً.

في" الغارديان"، لا يوجد مالك يطالب بعوائد سياسية أو تجارية.

ولا يوجد مساهمون يسعون إلى الربح ويطالبون بتقليص التكاليف أو بسحب الأرباح.

إن الغرض من صندوق" سكوت ترست"، الذي يملك" الغارديان"، هو ضمان استمرار الصحيفة إلى ما لا نهاية، وخدمة المصلحة العامة وليس مصالح الأثرياء.

ومن خلال هذا النموذج، يُسمح لرئيس التحرير -بل ويمكنني أن أقول من واقع تجربتي إنه يُشجَّع- على الوقوف في وجه أصحاب النفوذ، وتمثيل المصلحة العامة، والدفاع عن الديمقراطية في مواجهة الاستبداد.

كانت هذه القصة عن مُلكيتنا تبدو في السابق أشبه بفكرة نظرية مجردة إلى حد ما.

ولكن عندئذٍ، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية للعام 2024 مباشرة، منع جيف بيزوس، مالك صحيفة" الواشنطن بوست" الذي تتجاوز ثروته 220 مليار دولار، صحيفته من نشر تأييدها المخطط له لكاميلا هاريس.

وفي كانون الثاني (يناير) 2025، مُنح مكاناً بارزاً في حفل تنصيب دونالد ترامب، وجلس إلى جانب إلون ماسك ومارك زوكربيرغ، أمام الأشخاص الذين اختارهم الرئيس الجديد لمجلس وزرائه.

وفي الشهر التالي، أعلن بيزوس أن صفحات الرأي في" الواشنطن بوست" ستتغير؛ حيث ستصبح مهمتها من الآن فصاعداً هي الدفاع حصراً عن الحريات الفردية والأسواق الحرة، بحسب قراره.

وبعد عام واحد، قام بتسريح مئات الصحفيين.

واليوم يمكن للجميع أن يروا لماذا تكتسب المُلكية المستقلة كل هذه الأهمية.

بفضل نموذج المُلكية التحرري في" الغارديان"، نحن أحرار في التركيز على إنتاج الصحافة من دون خوف من التدخل السياسي أو التجاري.

ويبدأ ذلك من العمل الاستقصائي.

نحن نغطي القصص التي لا يغطيها الآخرون، أو لا يريدون أو لا يستطيعون تغطيتها -سواء كانت تحقيقاتنا الحصرية حول فشل بيتر مانديلسون (1) في اجتياز تدقيقه الأمني، أو دور شركة" ميكروسوفت" في أنظمة المراقبة العسكرية؛ أو المزاعم المتعلقة بسلوك عنصري من نايجل فاراج (2) خلال سنوات دراسته، أو مصادر تمويله؛ أو تحقيقاتنا حول من قتل زميلنا، دوم فيليبس، في الأمازون؛ أو كشف النقاب عن القصص الفردية لضحايا قصف مدرسة ميناب في إيران.

كما أننا نؤمن أيضاً بقيمة التعاون.

ويُظهر العمل مع مؤسسة إعلامية أخرى في تحقيق صحفي ما أننا نضع المصلحة العامة فوق التنافس الصحفي المدفوع بالأنانية أو المنطق الصفري الذي لا طائل منه.

وهو توجه يعكس رؤية للصحافة نرى أنفسنا وفقها في دور مدني، وليس مجرد نشاط تجاري.

ونحن نعمل بلا كلل على التحقق من الحقائق -وعندما نخطئ، نصحح أخطاءنا.

لكي تبقى الديمقراطية، ولكي يتقدم المجتمع، نحتاج إلى أساس مشترك من الحقائق.

إننا إذا لم نعد قادرين على الاتفاق بشكل عام على أن العشب أخضر، فلن يكون بمقدورنا إجراء نقاش حول كيفية التعامل مع الملوثات التي تقتله.

والحقائق ضرورية، لكنها وحدها لا تكفي.

نحن في حاجة أيضاً إلى قصص وأفكار جديدة تبعث الأمل.

وجمهورنا يستحق أكثر من مجرد سماع أن الأمور سيئة.

علينا أن نواجه حالة الكآبة بالتفكير الجريء، وبالتحليل الدقيق والمتوازن، وبطرح رؤى موثوقة لمجتمع أكثر عدلاً.

نريد لصحافتنا أن تكون مُغذّية للعقل والروح.

لقد مررنا جميعاً بذلك الشعور بالفراغ المحبط بعد قضاء وقت طويل في التصفح العشوائي على الهاتف.

ونحن نطمح إلى أن نكون الترياق، بما في ذلك في مجالات تتجاوز الأخبار والسياسة: الثقافة، الرياضة، الموضة، الصحة النفسية، السفر.

هذه كلها أجزاء أساسية من حياة تُعاش كما ينبغي، وهي لذلك أيضاً أجزاء أساسية من تغطيتنا.

إننا نريد تقديم صحافة ممتعة ومرحة أحياناً، تجعلك تشعر بأنك أصبحت أكثر معرفة وفضولاً تجاه العالم -على عكس التصفح الممل الخالي من البهجة؛ على نقيض من المحتوى الرقمي التافه والرخيص على الإنترنت.

منذ سنوات عدة الآن، جاءت غالبية جمهور" الغارديان" من خارج المملكة المتحدة.

وقد وصلنا إلى هذا الجمهور العالمي في البداية بشكل غير مقصود.

بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، ومع إطلاق الولايات المتحدة ما سُمّيت" الحرب على الإرهاب"، وجد كثير من القراء الأميركيين أن وسائل إعلامهم تتحدث بصوت واحد، فبحثوا عن صحافة" الغارديان" على الإنترنت الذي كان ما يزال حديث العهد آنذاك.

كانوا، كما هو حالهم اليوم، يبحثون عن شيء مختلف.

ولا تمر تغطيتنا الدولية عبر مُرشّحات وزارة الخارجية الأميركية أو وزارة الخارجية البريطانية أو أي وزارة خارجية أخرى.

كما أن تقاريرنا عن أميركا الجنوبية أو أفريقيا أو الشرق الأوسط لا تُختزل في زاوية ماذا يعني هذا الشيء أو ذاك لأميركا أو بريطانيا، ولا تضع منظور الأقوياء في تلك البلدان في المركز.

إننا نغطي ما يهم الناس العاديين الذين يعيشون هناك، ولجمهور عالمي يشبههم.

ونحن نسعى أيضاً إلى وصل النقاط بين البلدان المختلفة، وتقديم منظور أوسع.

خذوا مثلاً مقالنا الأخير عن سياسات عمدة نيويورك الجديد، الذي حمل عنوان: " الأوروبيون يرون سياسات زهران ممداني التي يُقال إنها راديكالية بوصفها ’طبيعية‘".

كان ذلك تذكيراً للقراء الأميركيين بأن الحافلات المجانية ورعاية الأطفال الشاملة ليست أموراً غير مألوفة في أجزاء أخرى من العالم.

وهكذا، يتمثل جزء من مهمتنا في ربط جمهورنا العالمي ببعضه بعضاً -ليس من خلال تسطيح العالم وتقديم رؤية باهتة له من" لامكان" ما، وإنما عن طريق تسليط الضوء على العديد من الأماكن.

والمدهش هو مدى التشابه بين هذه الأماكن" على الرغم خصوصياتها الغنية.

وهذا ليس مفاجئاً إذا تأملناه.

فالأزمات التي وصفتُها سابقاً لا تعبأ بالحدود الوطنية.

إنها تؤثر فينا جميعاً.

وكما كتبت كاتبة العمود في" الغارديان" نسرين مالك مؤخراً: " ما تعلمته مع بدء تفكك النظام العالمي هو أن مصائرنا جميعاً أصبحت مترابطة.

لم تعد الاضطرابات في إمدادات الطاقة، وحركة اللاجئين، واتساع نطاق الصراعات العسكرية قصصاً خارجية؛ لقد أصبحت داخلية".

نحن عالميون، لكننا في الوقت نفسه متجذرون.

لا بد لنا من الجذور كي نرتفع.

وقد تأسست" الغارديان" في مانشستر، شمال إنجلترا، في العام 1821، ولم تنتقل إلى لندن إلا في العام 1964.

وبوصفي من أبناء الشمال، فإنني أعرف جيداً أهمية ذلك.

في السنوات الأخيرة، قمنا بتوسيع مكتب مانشستر بشكل كبير، وأصبح لدينا عدد أكبر بكثير من الصحفيين العاملين خارج لندن وفي مختلف أنحاء المملكة المتحدة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن.

الأماكن المتعددة.

ونحن نؤمن أيضاً بضرورة مساءلة أنفسنا.

في العام 2023 أطلقنا مشروع" عاصمة القطن" Cotton Capital، الذي يحقق في الكيفية التي راكم بها المؤسسون الأوائل لـ" الغارديان" جزءاً كبيراً من ثرواتهم من العبودية العابرة للأطلسي.

ولم يكن هذا مجرد مشروع عابر، بل كان التزاماً طويل الأمد.

وقد انعكس ذلك في عملنا الصحفي -من خلال توسيع تغطيتنا لأفريقيا وأميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، ومن خلال نشرتنا الإخبارية" الموجة الطويلة" التي تتناول حياة وثقافة وسياسة الشتات الأفريقي.

كما ينعكس في مبادرة" إرث العبودية"، وهي مبادرة للعدالة التصالحية تمتد لعشر سنوات، وتهدف إلى بناء شراكات مع مجتمعات أحفاد الضحايا في جامايكا والجزر البحرية في الولايات المتحدة، حيث كانت للمؤسسين الأوائل لـ" الغارديان" صلات تاريخية.

بصفتنا صحفيين، نحن جزء من المجتمعات التي نغطيها ونكتب عنها، ولسنا مراقبين يشاهدون من فوق.

ويعني هذا أن تعكس طواقمنا العالم الذي تغطيه.

وكان التحول في المواقف تجاه فكرة التنوع درامياً خلال العامين الماضيين.

الشركات والعلامات التجارية التي أطلقت ذات مرة تعهدات جريئة تخلت عن وعودها بهدوء.

وانتقدت إدارة دونالد ترامب التنوع بوصفه أيديولوجيا" هدامة" ومعادية للكفاءة، وقامت بتقليص برامج التنوع والإنصاف والشمول على المستوى الفيدرالي، مع إقالة نساء وأشخاص من ذوي البشرة الملونة من مناصب عليا.

ومن الواضح أن الشعبوية اليمينية تنفر من التنوع والتعددية والاتساع.

لكنّ الأمر بالنسبة لنا بسيط: كلما اتسعت دائرة الأشخاص الذين يساهمون في جمع الأخبار، أصبحت صحافتنا أفضل وأكثر إثارة للاهتمام، وأكثر صدقاً مع العالم من حولنا، وأوسع وصولاً وأعمق أثراً لدى جمهورنا.

دعوني أقدم مثالاً على ما أعنيه.

في العام 2024، وظفت" الغارديان" أول مراسلة مخصصة لمنطقة الكاريبي، ناتريشيا دنكان.

وفي العام التالي، ضرب أحد أكثر الأعاصير تدميراً في السنوات الأخيرة جامايكا، حيث تتمركز ناتريشيا.

كان إعصار" ميليسا" من الفئة الخامسة، ودمّر مستشفيات وبنية تحتية وعشرات الآلاف من المنازل، وخلّف ما لا يقل عن 90 قتيلاً في أنحاء المنطقة.

وفي حين اضطرت وسائل الإعلام الدولية الأخرى إلى إرسال مراسلين من الخارج لتغطية الدمار، كان لدينا مسبقاً شخص على الأرض، لديه شبكة العلاقات التي تتيح إنتاج صحافة عالية الجودة.

وكانت ناتريشيا نفسها تعيش تجربة الإعصار مثل بقية السكان في جامايكا.

في الماضي، ربما كانت تغطيتنا ستكون محدودة.

لكنّ هذه كانت قصة ذات أهمية عالمية، وكانت لدينا الآن الموارد اللازمة لتغطيتها كما ينبغي.

وقد غطينا الأثر الفوري على المجتمعات، والدور الذي لعبته أزمة المناخ في حجم الدمار، والآثار التي استمرت بعد أشهر، وكيف تستعد بلدان الكاريبي لموسم الأعاصير القادم.

لم نجعل من هذه القصة حكاية عن سُياح غربيين عالقين.

القيم الإنسانية، المجتمع، والترابطيتعلق كل هذا، إلى حد كبير، بوضع القيم الإنسانية والمجتمعات والمواطنين في قلب ما نقوم به.

وقد يبدو هذا بديهياً، لكنه ليس كذلك.

يبدو أن الكثير من العالم من حولنا يجري تنظيمه وفق مبادئ مختلفة.

في مقال طويل حديث نُشر في" الغارديان"، كتبت ريبيكا سولنيت عن كيف أن رؤساء شركات وادي السيليكون يروّجون لفكرة أننا يجب أن نعطي الأولوية لـ" الراحة، والكفاءة، والإنتاجية، والربحية" على كل شيء آخر.

وهم يقولون لنا إن الخروج إلى العالم والتفاعل مع الآخرين هو أمر محفوف بالمخاطر، وغير مريح، وغير كفؤ، ومضيعة للوقت.

وهذه قيم مناهضة للبشر.

وكما كتبت سولنيت: " لقد انسحبنا، بينما ظل يُقال لنا باستمرار إن ذلك جيد، وقد اتضح أنه سيئ بآلاف الطرق الصغيرة؛ لقد أضعف الحياة العامة والمؤسسات المحلية، وعزَلنا عن بعضنا بعضاً".

يبدو أن صعود الذكاء الاصطناعي يعمل على تعميق هذه الاتجاهات المناهضة للإنسان.

سمِّ أي وظيفة تريد، وستجد أن هناك من يقول إن آلة ستؤديها قريباً بشكل أفضل من أي إنسان، أو أنها تفعل ذلك مُسبقاً.

ولا يقتصر الأمر على الوظائف؛ إنه يمتد إلى بعض أنشطتنا الأكثر قيمة: الكتابة، والموسيقا، والسينما، والفن -بل وحتى الرعاية والعلاقات والحب.

وقد أدى تلاشي الحدود بين الإنسان والآلة؛ وبين الحقيقي والزائف، إلى عواقب مرعبة حقاً في السنوات الأخيرة، من الذهان الذي تحقنه روبوتات الدردشة إلى أنظمة الأسلحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وقد أصبحنا نتعامل أحياناً مع أناس على الإنترنت يبدون كما لو أنهم مولّدون بالكمبيوتر.

حتى نكون واضحين، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مذهلة.

وأنا أراه مفيداً؛ وقد ساعدني في العثور على بعض المصادر لهذا المقال.

ونحن في الغارديان ملتزمون باستخدام كل أداة متاحة لنا لإنتاج أفضل صحافة ممكنة.

وهذا يتطلب قدراً كبيراً من الحذر، لكنه التحدي الذي وضعناه لأنفسنا: أن نفكر بعمق في ما يجعل صحافتنا إنسانية وضرورية، وفي الكيفية التي يمكن بها أن يساعدنا الذكاء الاصطناعي على البناء على هذا الأساس بدلاً من تقويضه.

وقد نشرنا في شباط (فبراير) مقالاً كان من المستحيل إنتاجه من دون مساعدة الذكاء الاصطناعي: تحليل لمائة عام من خطاب الهجرة في البرلمان البريطاني، تم تنفيذه من خلال تعاون بين صحفيي البيانات لدينا وعلماء بيانات وباحثين من جامعة كلية لندن (UCL).

وقد أظهر المقال أن مواقف النواب خلال السنوات الخمس الماضية انحرفت نحو اليمين بدرجة أكبر من أي وقت تقريباً خلال القرن الماضي.

لكننا نريد في الوقت نفسه أيضاً أن نؤكد على الأشياء التي نستطيع القيام بها ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها: الصحافة الميدانية؛ التحدث مع الناس بطرق عميقة وحميمية؛ مساءلة أصحاب السلطة؛ الأخبار العاجلة؛ استنطاق المفاهيم السائدة؛ وأيضاً الانتقاء والتحرير بعناية، بحيث يواجه الجمهور لحظات اكتشاف غير متوقعة، بدلاً من أن يتم إغراقه بما يشبه" المزيد من الشيء نفسه" الذي تنتجه الخوارزميات -أو ما يُسمى" المحتوى السائل" الذي يتم توليده بطريقة سحرية استجابةً لاحتياجاتك المتصورة.

في عالم يشهد تلاشياً للوعود المبكرة لوسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى أرض قاحلة سامة، نحن ملتزمون ببناء مجتمعات واستضافة حوارات بين قراء الغارديان ومع صحفيينا -على موقعنا نفسه، ولكن أيضاً خارجه عبر منصات أخرى، وكذلك في اللقاءات المباشرة.

إننا نريد لجمهورنا أن يشعر بالارتباط بالكتّاب والأصوات والوجوه التي تصنع" الغارديان".

إننا نريدها علاقة مع إنسان حقيقي.

ونريد مجتمعاً من البشر الحقيقيين.

ليست هذه علاقة أحادية الاتجاه؛ ثمة جمهورنا الذي يساعد في تشكيل ما نقوم به، بل ويزودنا أحياناً بنصائح ومعلومات ثمينة.

وقد بدأ أحد أهم تحقيقاتنا هذا العام حول استخدام نيجيل فاراج منصة الفيديو" كاميو" بمعلومة وردتنا من أحد القراء.

في أفضل حالاتها، تجمع" الغارديان" الناس معاً.

وهذا ما تقوم به أيضاً مؤسسات أخرى في أوقات كهذه: المكتبة، والمدرسة، والفريق الرياضي.

إنها توفر نقاط استقرار.

وفي عالم يبدو أحياناً وكأنه فقد توازنه، يمكن للصحافة الجيدة أن تمنح أيضاً شعوراً بالتعرّف أو الارتياح، عندما تكتشف أنك لست الوحيد الذي يرى العالم بهذه الطريقة.

إنك، عند قراءة" الغارديان، لست وحدك أبداً.

إنك جزء من مجتمع عالمي من أشخاص يشبهونك في التفكير.

كيف يساعدنا قراؤنا في النضال من أجل واقع مشتركلأننا وضعنا الصحافة الإنسانية، المفعمة بالأمل، والموجهة للصالح العام في المقدمة، بنينا مجتمعاً وفياً من القراء.

وهؤلاء القراء هم الذين يدعمون عملنا ويستمرون في تمويله.

عندما أصبحت رئيسة التحرير في العام 2015، كانت" الغارديان" تعاني من خسائر مالية منذ وقت طويل.

وعلى الرغم من أن صندوق" سكوت ترست" كان يغطي تلك الخسائر، إلا أننا كنا مستنزفين وضعفاء.

لم يكن لدينا نموذج عمل فعّال، ولا إيرادات رقمية من القراء.

أما اليوم، فقد أصبح نموذج" الغارديان" محل تقدير في مختلف أنحاء العالم.

وقد اتخذنا عدداً كبيراً من القرارات الصعبة للوصول إلى هذا الوضع.

لكن القرار الذي كان له التأثير الأكبر هو إدخال المساهمات المالية الطوعية -فكرة أن يختار القراء أن يدفعوا لنا مالاً مقابل شيء يمكنهم الحصول عليه مجاناً.

عندما أطلقنا هذه المبادرة في العام 2016، كنا في حالة من الضيق المالي الشديد.

وكان هناك ضغط كبير لفرض" جدار دفع"، وهو ما كان سيجعل الوصول إلى" الغارديان" مقتصراً على الذين يملكون المال فقط.

وكان ذلك سيضعف تأثيرنا، ويقلص دورنا المدني.

لكننا بدلاً من ذلك، وعلى خلاف معظم النصائح، طلبنا من جمهورنا أن يدعمنا مالياً بشكل طوعي، من دون أن نفرض عليهم الدفع.

وقد فعلوا.

وفهموا سريعاً ما نحاول القيام به.

في السنة المالية الماضية، قدم قراؤنا أكثر من 125 مليون جنيه إسترليني مباشرة.

ولدينا أشخاص يدعموننا من كل أنحاء العالم، حتى من أصغر الدول وأكثرها ندرة في السكان على وجه الأرض: نعم، لدينا قراء يساهمون مالياً من ناورو، وسفالبارد، ومدينة الفاتيكان -وحتى من القارة القطبية الجنوبية.

كان من المفترض ألا تنجح هذه الفكرة، لكنها نجحت، وهي تبو في هذه اللحظة تحديداً ملهمة ومهمة أكثر من أي وقت مضى.

ثمة نحو 1.

5 مليون شخص يقدمون لنا المال كل شهر، والعدد في ازدياد مستمر يومياً.

كما يقدم كثيرون تبرعات لمرة واحدة مقابل مقال أعجبهم.

وكما يقول كثير من داعمينا، فإن عدداً كبيراً منهم يدفعون لكي يتمكن الآخرون من قراءة" الغارديان" مجاناً، ولكي يكونوا جزءاً من شيء له معنى حقيقي.

وبعضهم يرى أيضاً أن نجاحنا في إبقاء المعلومات الجيدة متاحة للجميع هو فعل سياسي بامتياز.

إننا نثمّن دعم قرائنا -ليس من أجل المال فحسب، بل من أجل أفكارهم ومجتمعهم وإيمانهم بأننا لسنا مضطرين لقبول الأمور كما هي، وأننا نستطيع، معاً، أن نجعل العالم مكاناً أفضل.

وفي الواقع، لا يمكننا أن نأمل في إنقاذ كوكبنا الجميل من الانهيار المناخي إلا من خلال العمل المشترك بوصفنا مجتمعاً واحداً.

عندما نرجع خطوة إلى الوراء وننظر إلى الصورة من مسافة، يتشكل أمامنا ما يشبه دائرة فاضلة.

ثمة النموذج الذي نعتمده في الملكية، والذي يتيح لنا جعل صحافتنا الموجهة للصالح العام متاحة للجميع، ويدعونا في الوقت نفسه إلى طلب مساهمات طوعية من جمهورنا لدعم عملنا.

وبما أن جمهورنا غير مُجبر على الدفع، فإنه لا يشعر بأنه مُجرد مستهلك، وأنه لا يُعامل كسلعة تُستغل بالنقرات.

إنه يشعر كأعضاء في مجتمع.

وتساعد" الغارديان" هذا المجتمع على التزود بالحقائق والأفكار لفهم العالم والتفاعل معه.

وهذا المجتمع بدوره يساعد" الغارديان" على الاستمرار في تقديم صحافة ذات معنى.

ليست الصحافة مسألة" صناعة محتوى".

وليحذر الجميع من استخدام هذا التعبير عند الحديث عن صحافة المصلحة العامة.

إنها جزء من بنيتنا التحتية المدنية المشتركة، وبنيتنا الإنسانية، وبنيتنا الاجتماعية.

إنها النسيج الرابط الذي يساعد على مكافحة العزلة ويُبقي الديمقراطية حيّة.

وكما تقول ناعومي كلين وأسترا تايلور، ينبغي أن يكون جزءاً من دورها هو مواجهة" السرديات الكارثية بقصة أفضل بكثير عن كيفية تجاوز الأوقات الصعبة المقبلة من دون ترك أي أحد خلف الركب".

في العام 2017، عندما عرضتُ أول مرة قراءتي لتاريخ" الغارديان" في سياق العصر الحالي، قلت إن الحقائق والأفكار، معاً، تصنعان مساحة للأمل.

وبالأمل لا أعني التفاؤل الأعمى بأن كل شيء سينتهي على ما يرام.

يعني الأمل الإيمان بأن لدينا الفاعلية والقدرة على تغيير المستقبل.

ويشكل التواصل مع الآخرين -كما حدث معي عندما وجدت أخيراً طريقة لكتابة هذا المقال- نقطة بداية جيدة.

إن الدفاع عن" الغارديان" والمؤسسات المشابهة يتخطى مجرد الدفاع عن نموذج عمل ليكون دفاعاً عن الحق الإنساني في العيش ضمن واقع مشترك وصادق، يمكن لكل واحد منا أن يساهم في تشكيله.

والأمر ملح.

والعالم لن ينتظر.

وسيكون الأمل والاتصال هما طريقتنا للبقاء، معاً، وللاستمرار في كوننا بشراً.

ولسنا في ذلك وحدنا.

نحن ملايين كثيرة.

*كاثرين فاينر Katharine Viner: صحفية وكاتبة بريطانية، ورئيسة تحرير صحيفة" الغارديان" البريطانية منذ العام 2015، لتكون بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الصحيفة.

انضمت إلى" الغارديان" في تسعينيات القرن الماضي، وعملت فيها في مجالات متعددة تشمل التحرير الثقافي والتحقيقات والتقارير الدولية، كما شغلت منصب رئيسة تحرير الموقع الإلكتروني للصحيفة، ومجلة" الغارديان نهاية الأسبوع".

تُعرف بدورها في قيادة تحول الصحيفة رقمياً، وتطوير نموذج التمويل القائم على دعم القراء، إلى جانب تركيزها على الصحافة الاستقصائية وقضايا المصلحة العامة، مثل المناخ، والهجرة، والعدالة الاجتماعية، وحرية الصحافة.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: How to survive the information crisis: ‘We once talked about fake news – now reality itself feels fake’(1) بيتر ماندلسون Peter Mandelson هو سياسي بريطاني بارز من" حزب العمال"، شغل مناصب وزارية عدة في حكومتي توني بلير وغوردون براون.

وفي القضية التي كشفتها" الغارديان"، خضع لتدقيق أمني مشدد لأنه عُيّن سفيراً للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة، وهو منصب يتيح الوصول إلى معلومات سرية وحساسة للغاية، ولذلك يتطلب أعلى مستويات الفحص الأمني.

(2) نايجل فاراج Nigel Farage هو سياسي بريطاني شعبوي يميني، يعد الشخصية الأكثر ارتباطاً بحملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست).

أسّس وقاد" حزب الاستقلال البريطاني"، ثم أسّس لاحقاً حزب" بريكست"، الذي أصبح فيما بعد حزب" إصلاح المملكة المتحدة".

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك