في معرض إعلانه مطلع الأسبوع الجاري التوصل إلى اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب المستمرة منذ فبراير (شباط) الماضي، كتب الرئيس الباكستاني شهباز شريف على حسابه على منصة" إكس"، قائلاً" أعلن الجانبان الوقف الفوري والمستدام للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان".
وفي حين لم يصدر التصريح ذاته أو يؤكده الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي غرد عن الاتفاق الذي ينطوي على فتح مضيق هرمز، فإن التعليق نفسه كرره نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، الذي أعلن" إنهاء دائماً وفورياً للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.
"هذا التصريح أو البند الغامض في الاتفاق المبدئي بين الطرفين، أثار انتباه الإسرائيليين الذين أبدوا استياء، وسرعان ما علق وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً" لسنا شركاء في هذا الاتفاق الذي لا يضمن أمننا، وهو لا يلزمنا بأية صورة من الصور"، كما واصلت إسرائيل شن ضربات داخل لبنان قبل إعلان الاتفاق بساعات الأحد.
عبارة غريب آبادي لا تتحدث عن وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران فقط، بل عن" جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان"، وهو ما أثار انتباه المعلقين في العالم العربي.
فالكاتب السعودي البارز عبدالرحمن الراشد أشار في مقالة بصحيفة" الشرق الأوسط" إلى أن ذلك البند الغامض ينطوي على اتفاق عدم اعتداء إقليمي متبادل، ويقسم المنطقة إلى معسكرين، معسكر إيراني وميليشيات وكيلة ومعسكر أميركي وحلفائه من دول المنطقة.
إدارة الوكلاء بدل مواجهتهافي حين يهدف الإطار المحتمل إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال إنهاء عقود من العداء بين واشنطن وطهران، لكن الكاتب السعودي أعرب عن قلق بالغ من أن يضفي هذا الاتفاق شرعية على جماعات مسلحة تعمل كدول موازية داخل دولهم مثل" حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن.
ففي الوقت الذي يسعى فيه الاتفاق إلى منع حرب إقليمية واسعة، فإنه يخاطر بترسيخ نموذج الميليشيات وتعقيد سيادة الدول.
وفق المعلن، ينص الاتفاق الموقت على إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنقل النفط، مع ترك مصير البرنامج النووي الإيراني ليحسم خلال فترة تفاوض مدتها 60 يوماً تمهيداً لاتفاق نهائي.
ومن غير المتوقع أن تدرج قضيتان أخريان، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وترمب قد أعلناهما مبررين للحرب في بدايتها، وهما كبح برنامج الصواريخ الإيراني وإنهاء دعم إيران للجماعات المسلحة الإقليمية، على جدول أعمال تلك المحادثات، وهو الأمر الذي يثير القلق إقليمياً والاستياء الإسرائيلي.
يمثل الاتفاق الحالي في ما يتعلق بوكلاء إيران من الجماعات المسلحة في دول المنطقة، تراجعاً عن المقترح الأول الذي قدمته إدارة ترمب نهاية مارس (آذار) الماضي، عندما طرحت خطة من 15 نقطة لإنهاء الحرب، تضمنت مطالبة بأن تقطع طهران دعمها لجماعات الوكلاء والشركاء الأجانب في المنطقة.
وهو أحد الشروط التي عرقلت المفاوضات طوال أكثر من شهرين ونصف شهر، إذ يرفض النظام الإيراني التخلي عن تلك الجماعات التي تعمل على مد نفوذه في المنطقة.
فمنذ البداية بدت إيران لا تفاوض فقط حول ملفها النووي أو على مضيق هرمز، بل أيضاً على مستقبل وكلاءها في المنطقة وتحديداً" حزب الله"، إذ سعت على مدار المفاوضات لربط الملف اللبناني بالمفاوضات واشتراط وقف إطلاق النار أولاً بين إسرائيل والجماعة اللبنانية لعقد أي اتفاق.
ويشير مراقبون إلى أن أهمية لبنان ازدادت بالنسبة إلى إيران منذ الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، أحد الركائز الأساسية لـ" محور المقاومة" الإيراني، في أواخر عام 2024.
ووفق أندرياس كريغ، من كلية الدراسات الأمنية في كينغز كوليدج لندن، فإن" لبنان هو مركز انطلاق سردية المقاومة الإيرانية"، واصفاً إياه بأنه خط المواجهة الرئيس لطهران ضد إسرائيل وقاعدة لعملياتها في جميع أنحاء بلاد الشام.
وفي حال صحت التقديرات التي تتحدث عن استبعاد ملف الوكلاء من الاتفاق النهائي، فإن النتيجة قد لا تكون إنهاء دور تلك الجماعات، بل انتقالها من أدوات ضغط عسكرية إلى أطراف يجري التعامل مع وجودها باعتباره جزءاً من الواقع الإقليمي الجديد.
وفي حين يبدو أن المسؤولين الإسرائيليين يتوخون الحذر في تصريحاتهم العلنية تجنباً لإغضاب ترمب المعروف بحساسيته المفرطة تجاه منتقديه، غير أن الصحافة والمراقبون في تل أبيب وحتى بين الجمهوريين في واشنطن، لا يخفون غضبهم وقلقهم في شأن ما يمكن أن ينطوي عليه اتفاق من تثبيت وضع وكلاء إيران المسلحين كأطراف محمية بموجب اتفاق دولي وما يترتب عليه من ضعف الدولة الوطنية في لبنان والعراق واليمن.
ووفق وكالة" رويترز"، فإنه في المحادثات الخاصة، يبدو الإحباط واضحاً بين المسؤولين الإسرائيليين.
ووصف مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى الاتفاق المبدئي بأنه" كارثي لإسرائيل"، وأضاف" لا يوجد أحد في القيادة الإسرائيلية يرى الأمر بصورة مختلفة، بدءاً من رئيس الوزراء وصولاً إلى رئيس الأركان".
يضع الاتفاق إسرائيل أمام معضلة، إذ تحاول الموازنة بين إضعاف القدرات العسكرية لـ" حزب الله" واستعادة الردع من جهة، وعدم تقويض اتفاق تدعمه حليفتها الأهم، الولايات المتحدة، من جهة أخرى.
كما يثير أسئلة كبرى في شأن المشهد في لبنان، خصوصاً أن المسؤولين قدموا أحياناً تفسيرات متناقضة في شأن محتواه، فهل ستتخلى واشنطن عن دعمها لإسرائيل في مسألة الضغط لنزع سلاح" حزب الله"، وهل تملك واشنطن القدرة الفعلية على كبح جماح إسرائيل ومنعها من شن عمليات" دفاع استباقي" ضد الوجود الإيراني في المنطقة وضد" حزب الله" في لبنان؟وفق الزميلة لدى معهد واشنطن حنين غدار فإن إيران استهدفت خلال المفاوضات مع ترمب الإبقاء على" حزب الله" وعدم تخليه الكامل عن سلاحه، وضمان احتفاظه بقدرته على إعادة التسلح والحفاظ على حضوره السياسي داخل الدولة اللبنانية.
وأوضحت في مقالة سابقة أنه يجب ألا تسمح واشنطن لطهران بإدخال أي بنود تتعلق بالمفاوضات في لبنان، وإلا، فإن التوصل إلى اتفاق مع إيران قد ينتهي بتقويض جهود إسرائيل لإضعاف" حزب الله"، وإضعاف جهود بيروت لنزع الشرعية عن أسلحة الجماعة، وتقويض رؤية واشنطن نفسها لتحقيق السلام بين لبنان وإسرائيل.
ويعتبر الزميل لدى المجلس الأطلسي داني سيترينوفيتش أن الحرب بدلاً من أن تؤدي إلى سقوط النظام الإيراني أو إضعافه بصورة كبيرة، " انتهت بظهور النظام في طهران أقوى اقتصادياً ودبلوماسياً وحتى عسكرياً".
ويقول إنه من المتوقع أن يكون لهذا الفشل تداعيات عميقة على قدرة إسرائيل المستقبلية على حشد الإدارة الأميركية إلى جانبها في الملف الإيراني، أو التأثير في الاتفاق الجاري تشكيله في شأن القضية النووية.
وأضاف سيترينوفيتش، الذي كان يترأس قسم إيران في إدارة البحوث التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، أن المشكلة الأكثر خطورة بالنسبة إلى إسرائيل تكمن في أن الاتفاق الجديد يتركها عملياً من دون قدرة حقيقية على تغيير هذا الواقع القاسي.
فالرئيس ترمب غير مهتم بالعودة لمواجهة عسكرية مع إيران، ويبدو أن هذا الموقف يحظى الآن بإجماع واسع داخل النظام السياسي الأميركي.
وحتى أبرز مؤيدي إسرائيل في واشنطن، وعلى رأسهم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، يتوخون حذراً شديداً في عدم انتقاد الرئيس علناً أو تحدي سياسته.
وفي ظل هذا الواقع، يرى المسؤول الإسرائيلي السابق أن أية خطوة عسكرية إسرائيلية ينظر إليها في واشنطن على أنها محاولة لإفشال الاتفاق أو عرقلة تنفيذه، من المتوقع أن تواجه رداً قاسياً من الإدارة الأميركية عموماً، ومن الرئيس خصوصاً.
ففي مواجهة ترمب، فإن هامش المناورة الإسرائيلي أضيق بكثير، سواء بسبب المكانة السياسية للرئيس أم بسبب محدودية استعداد حلفاء إسرائيل لمواجهته، في المحصلة، ومن ثم فإن قدرة إسرائيل على تغيير مسار الأحداث باتت محدودة للغاية.
ومع ذلك يتوقع مراقبون أن يكون نتنياهو، الذي يواجه انتخابات الخريف التي يتوقع أن يخسرها، أكثر استعداداً لتحدي الرئيس الأميركي في ظل تعامله مع الرأي العام الإسرائيلي، الذي تظهر استطلاعات الرأي تزايد تشككه في التزام الرئيس الأميركي بأمن إسرائيل.
وقال دان شابيرو، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل في عهد إدارة أوباما، لوكالة" رويترز"، إن" هذه لحظة فارقة في المصالح".
وأضاف شابيرو الذي يعمل حالياً في مركز أبحاث المجلس الأطلسي في واشنطن" سيحاول نتنياهو عدم معارضة الاتفاق علناً، تجنباً للدخول في مواجهة مع ترمب.
لكنه سيشير إلى أن إسرائيل غير ملزمة به، وأنها تحتفظ بحقوقها".
وصرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان يوم الإثنين، بأن القوات ستظل منتشرة في المناطق العازلة التي سيطرت عليها إسرائيل في لبنان وسوريا وغزة" إلى أجل غير مسمى"، للقضاء على ما تعتبره تهديدات مسلحة، وقال كاتس" إذا هاجمت إيران إسرائيل بسبب الأحداث في لبنان، فسنهاجمها بكل قوتنا".
وفي حين يصف الزميل الرفيع لدى معهد واشنطن فرزين ناديمي نفوذ ترمب على نتنياهو بأنه" كبير"، فإنه ليس مطلقاً.
ويقول ناديمي لـ" اندبندنت عربية" إن" ترمب يتمتع بأدوات تأثير شخصية وسياسية ومادية مهمة، تشمل المساعدات والتعاون الاستخباري والتوافق في الرؤية تجاه إيران.
ومع ذلك، يواجه نتنياهو قيوداً داخلية تتمثل في ائتلافه الحكومي والمؤسسة الأمنية والرأي العام الإسرائيلي، مما يحد من قدرته على الاستجابة الكاملة للضغوط الأميركية".
ويمكن للولايات المتحدة أن تدفع إسرائيل نحو مزيد من ضبط النفس في لبنان عبر الدبلوماسية رفيعة المستوى، أو استخدام المساعدات أداة ضغط.
لكن ناديمي يشير إلى أن إسرائيل لن تعرض أمنها للخطر، وخصوصاً أمن سكان المناطق الشمالية، من أجل اتباع نهج أكثر حذراً إرضاء للولايات المتحدة، ومن غير المرجح أن يؤدي أي ضغط أميركي إلى تغيير موقف إسرائيل تجاه ما تعتبره تهديداً يمثله" حزب الله" على حدودها الشمالية.
وفي حين قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان سيشكل انتهاكاً للاتفاق، ففي المقابل قال مسؤول أميركي، تحدث لوكالة" اسوشيتد برس"، شريطة عدم الكشف عن هويته الثلاثاء، إن الاتفاق لا ينص على انسحاب إسرائيلي، كما أكد نتنياهو يوم الإثنين أن إسرائيل ستبقى في لبنان" ما دام ذلك ضرورياً".
دخلت إسرائيل والحكومة اللبنانية في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية، لم يكن" حزب الله" جزءاً منها.
وقد أسفرت هذه المحادثات عن إعلانات عدة لوقف إطلاق النار، لكنها لم تنفذ فعلياً على الأرض.
وفي البداية، حاول المسؤولون اللبنانيون إبقاء لبنان منفصلاً عن المفاوضات الأميركية - الإيرانية، تجنباً للظهور بمظهر التابع لإيران، لكنهم رحبوا لاحقاً بإعلان أن اتفاق إنهاء الحرب الأميركية - الإيرانية سيشمل وقفاً لإطلاق النار في لبنان.
ويبدو أن تصريحات عراقجي يوم الثلاثاء تتوافق مع فهم مسؤولين إقليميين اثنين لديهما اطلاع مباشر على الاتفاق الموقت، وقال المسؤولان، اللذان تحدثا لوكالة" أسوشيتد برس"، بشرط عدم الكشف عن هويتهما بسبب سرية المفاوضات، إن الاتفاق سيتطلب انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي التي تحتلها في لبنان، باستثناء عدد محدود من التلال الحدودية التي كانت قد سيطرت عليها سابقاً، وأضافا أن إيران أصرت في الأيام الأخيرة من المفاوضات على إدراج الملف اللبناني ضمن الاتفاق.
حتى الإعلان الرسمي لبنود الاتفاق الذي سيتم توقيعه الجمعة، يبقى هناك كثير من الأسئلة العالقة في شأن المستقبل الجيوسياسي للمنطقة، وعما إذا كان الاتفاق سيؤول إلى عملية يجري بموجبها منح اعتراف ضمني بالميليشيات التي تصنفها واشنطن جماعات إرهابية، في إطار اتفاق إقليمي واسع ينطوي على عدم الاعتداء، ويترك هذا مزيداً من التساؤلات في شأن ما قد يخلفه مثل هذا الوضع من آثار تترتب على سيادة دول مثل لبنان والعراق واليمن في الشرق الأوسط؟ وهل يضمن الاتفاق أمن دول المنطقة الأخرى، وهل ينهي بالفعل حالة الحرب المستمرة منذ عقود بين إسرائيل وإيران، أم يصبح مجرد مهادنة لشراء الوقت بانتظار تغيير غير مضمون في سلوك النظام الإيراني؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك