بعد يومين فقط من توقيع واشنطن وطهران مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار على جميع الجبهات، ومنها لبنان، جاء أول اختبار للاتفاق من تلة ترتفع نحو 600 متر قرب النبطية؛ حيث أسفر كمين قرب منطقة علي الطاهر عن مقتل أربعة عناصر من الجيش الإسرائيلي الذي يرفض مغادرة الأراضي اللبنانية.
وجاء هذا الحدث متزامنا مع إلغاء اللقاء المرتقب بين الوفدين الأمريكي والإيراني في سويسرا، ما ينذر بانتقال التوتر من الميدان في جنوب لبنان إلى طاولة التفاوض نفسها.
وفي ظل استمرار هشاشة الأوضاع، تتجدد التساؤلات بشأن قدرة المسار السياسي على ضبط جبهة ما زالت مفتوحة وقابلة للاشتعال، رغم إعلان وقف إطلاق النار هذا المساء، والذي قد لا يشكل سوى هدنة جديدة في سلسلة من الهدنات والتهدئات المؤقتة.
list 1 of 4رغم الغارات المتواصلة.
إسرائيل وحزب الله يتفقان على وقف إطلاق النارlist 2 of 4خسائر غفعاتي في الميزان العسكري.
حسابات الميدان وتقديرات الاستخبارات تعقد خيارات نتنياهوlist 3 of 4عبر الخريطة التفاعلية.
إسرائيل توسع نطاق هجماتها على لبنانlist 4 of 4كمين لحزب الله يطيح بقائد الكتيبة 52 ومغردون يستحضرون هند رجب فما القصة؟وتتضاعف أهمية هذه الجبهة بالنظر إلى أن المذكرة لا تتعامل مع لبنان كساحة جانبية، بل تنص صراحة على وقف القتال على كل الجبهات واحترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه.
لذلك، فإن ما يجري في الجنوب لا يختبر هدوء الحدود فحسب، بل يختبر أساسا قدرة التفاهم الأمريكي الإيراني على الصمود في مساحة تتداخل فيها حسابات إسرائيل وحزب الله مع واشنطن وطهران.
كيف تحولت تلة" علي الطاهر" إلى" منطقة مقتل"؟ولفهم أبعاد كمين اليوم، لا بد أولا من قراءة الخريطة؛ فتلة علي الطاهر -كما توضح مراسلة الجزيرة كاترين حنا- تشرف بالكامل على مدينة النبطية وتتحكم ناريا بخطوط الإمداد في القطاع الشرقي.
من هنا يفهم إصرار الجيش الإسرائيلي على التقدم نحوها، في مقابل إصرار حزب الله على منعه من التمركز فيها.
ولم يكن ما جرى ليلا مجرد اشتباك عشوائي، بل كمينا مركبا، حيث استدرجت قوة مشاة وفصيل مدرع إلى خط عرفه حزب الله بـ" منطقة المقتل" شمال التلة، بحسب مراسل الجزيرة إيهاب العقدة، ليعلن الحزب إثر ذلك تدمير ثلاث دبابات ميركافا.
أما المرحلة الثانية من الكمين، فبدأت حين رصد الحزب قوة تقدمت لإجلاء المصابين تحت غطاء الدخان، فاستهدفها بالمدفعية والصواريخ وحال دون الإجلاء، وهو تكتيك يبرز كيف يمكن لهذا النوع من الكمائن أن يحول التوغل الإسرائيلي إلى حالة استنزاف.
الكتيبة 52.
ضربة تستنزف قوات" الصف الأول"لا تقاس هذه الخسارة الإسرائيلية اليوم بالعدد فقط، بل بالنوعية أيضا؛ فقائد الكتيبة المدرعة 52 الذي قتل، لم يكن قد أمضى في منصبه سوى شهرين.
وفي هذا السياق، يرى العميد المتقاعد خليل جميل في حديث للجزيرة أن هذه الكتيبة تعد من قوات الصف الأول، وما تعرضت له من خسارة فادحة -شملت فقدان فصيلتين ومقتل قائدها في كمين واحد- قد يفقدها فعاليتها القتالية.
ونتيجة لذلك، قد يفرض سحبها واستبدالها، وهو ما يعده جميل مؤشرا على دخول إسرائيل" مستنقع استنزاف طويل الأمد".
ويضيف جميل بعدا آخر للمعضلة، معتبرا أنها لا تكمن في احتلال التلال، بل في القدرة على البقاء فيها، مستشهدا بعملية نوعية نفذها الحزب في بلدة الطيبة المحتلة منذ أشهر، والتي تقع على بعد أربعة كيلومترات خلف الخط الفاصل.
وسرعان ما كانت هذه الخسارة النوعية كافية لتفجير مواجهة سياسية داخل تل أبيب.
" المنطقة الأمنية" وتحول الحل إلى مصيدةوتعود جذور هذا المأزق المزدوج إلى التعنت الإسرائيلي والإصرار على فرض واقع جغرافي جديد، فقد دخلت إسرائيل جنوب لبنان لتصنع حزاما يحمي الجليل، فإذا بالحزام نفسه يتحول إلى فخ لجنودها المتمركزين في مواقع ثابتة والمكشوفين للكمائن والمسيرات.
ويقول المحلل العسكري في" يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي إن خطر المسيرات المتفجرة التي يستخدمها" لا يزال بلا حل مرض"، وبأن الجيش لا يملك القوى ولا الموارد لاحتلال معظم لبنان – وهو الشرط الوحيد – بحسبه – لنزع سلاح الحزب.
وتختصر خلاصة بن يشاي هذا المأزق؛ فإسرائيل أضعفت حزب الله لكنها لم تهزمه، وأبعدت الخطر عن الجليل لكنها علقت جنودها في الداخل اللبناني.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه محاصرا بين ضغط يمين يطلب حربا لا يملك أدوات لحسمها، وضغط واشنطن.
غليان في الداخل الإسرائيليفي الداخل الإسرائيلي، دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى أن" يحترق لبنان بكامله"، أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فقال إن الوقت قد حان كي" تتكلم النار".
في المقابل، وجه زعيم المعارضة أفيغدور ليبرمان سهامه إلى نتنياهو مباشرة، معتبرا أن بقاء الضاحية الجنوبية قائمة بعد مقتل الجنود يعد" فشلا مباشرا" لرئيس الوزراء.
ويصادف هذا الخطاب التصعيدي بيئة داخلية جاهزة لتلقفه، حيث يظهر استطلاع لصحيفة" معاريف" أن 63% من الإسرائيليين قلقون على" مستقبل دولة إسرائيل" بعد التفاهم مع إيران.
غير أن هذا الرقم يكشف أن القلق لم يعد من حزب الله وحده، بل من شعور متصاعد بأن قرار إسرائيل بات أضيق تحت الضغط الأمريكي.
هل يهدد كمين التلة" مذكرة التفاهم" مع إيران؟في ذروة هذا المأزق، يبرز التوتر مع واشنطن كهاجس إضافي يضيق هامش الحركة أمام تل أبيب، فمسار التفاهم الأمريكي الإيراني بدا هشا حتى قبل أن يزيده كمين علي الطاهر تعقيدا، إذ تزامن معه إلغاء أو تأجيل اجتماع سويسرا وتأجيل رحلة نائب الرئيس جيه دي فانس التصعيد الميداني في الجنوب، في مؤشر إلى أن الطريق الدبلوماسي لم يكن مستقرا أصلا.
وجاء هذا التأجيل بعد انتقاد حاد وجهه فانس إلى قطاعات في النظام السياسي الإسرائيلي، واصفا ما يجري بأنه" حالة ذعر غريبة".
كما أشار إلى أن نتنياهو نفسه تجنب انتقاد الاتفاق، " ربما لأنه أكثر اطلاعا على تفاصيله"، في تلميح واضح إلى أن الاعتراضات داخل الائتلاف لا تعكس بالضرورة قراءة كاملة لبنود التفاهم.
ولم يقف فانس عند ذلك، بل ذكر تل أبيب بالدور الأمريكي في حمايتها عبر منظومات الدفاع الصاروخي، قائلا إن دولة من تسعة ملايين نسمة" لا يمكنها حل كل مشكلة أمنية بالقوة وحدها".
وبذلك بدت رسالة واشنطن واضحة، أن هامش القوة الإسرائيلية في لبنان لا ينفصل عن الدعم الأمريكي، ولا يمكنه تجاهل حدود التفاهم الذي ترعاه واشنطن مع طهران.
حتى الآن، لم تسقط مذكرة التفاهم، لكنها تلقت اختبارا مبكرا كشف أن ما اتُّفق عليه دبلوماسيا لم يصل بعد إلى جنوب الليطاني.
وبين الاستنزاف والتسوية، تبدو الهدنة معركة مفتوحة على تفسيرها، يبقى جنوب لبنان مقياسها الأبرز الآن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك