هل هو مجرد تكنولوجيا جديدة؟ما هى مكاسب وخسائر هذه التكنولوجيا؟كيف يجب أن تتعامل الدول النامية مع التكنولوجيا المتقدمة؟كنت قد قررت أن أتوقف قليلا عن الحديث عن الذكاء الاصطناعى أولا حتى نتحدث فى موضوعات أخرى ملحة ومهمة، وثانيا لأننا تحدثنا عن هذه التكنولوجيا فى مقالات عديدة، لكن الذكاء الاصطناعى يأبى إلا أن يطل برأسه ويدفعنا دفعا للحديث عنه، لأن ــ دائما ــ هناك جديدا سواء فى التكنولوجيا نفسها أو فى طرق استخدامها أو فى تأثيرها، وقد شرفت بالحديث هذا الأسبوع فى حلقتين لبودكاست إحداهما عن التكنولوجيا والأخرى عن اقتصاد التكنولوجيا (لم يذاعا بعد)، الأسئلة التى تمت مناقشتها فى الحلقتين دفعتنى للتفكير فى أمور متعلقة بتأثير هذه التكنولوجيا بنظرة أكثر شمولية، ولا أخفى على القارئ سرا أننى أهتم بالعلوم الإنسانية مثلما أهتم بالعلوم التطبيقية لأن الأولى هى بوصلة الثانية، ولن نرى الصورة كاملة إلا باجتماعهما.
مقال هذا الأسبوع يحاول بناء نظرة كلية عن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى والعوامل المتحكمة فيها وحسابات المكاسب والخسائر.
أربعة مكونات تشكل الصورة الكاملةتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى مبنية على أربعة أعمدة:• البيانات: نحن فى عصر البيانات الغفيرة (big data) وقد بدأ هذا العصر قبل انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعى بعدة سنوات نتيجة تطور تكنولوجيا جمع وتخزين البيانات.
انتشار تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى هو فى الحقيقة انتشار لفرع مهم من فروع هذه التكنولوجيا هو فرع تعليم الآلة (machine learning)، أى أننا عندما نذكر مصطلح الذكاء الاصطناعى فى عصرنا هذا فإننا نعنى تعليم الآلة فى السواد الأعظم من الحالات.
تعليم الآلة يستلزم كما كبيرا من البيانات ليتم استخدامها فى تعليم الآلة، هذه البيانات طبعا يجب أن تكون كاملة وغير متحيزة إلخ، وأصبحت البيانات هى بترول القرن الواحد والعشرين حتى الآن، لذلك جمع البيانات وتصنيفها من أهم شروط نجاح برمجيات الذكاء الاصطناعى، ولذلك نرى بعض الجامعات تنشئ أقساما لعلوم البيانات (data science) منفصلة عن أقسام علوم وهندسة الحاسبات.
• البرمجيات: هى التى تستخدم البيانات التى ذكرناها لتتعلم ثم تقوم بحل المشكلات، مثل الطالب الذى يتدرب على حل مسائل رياضية ويقوم بحل العديد منها حتى إذا ما واجه مسائل شبيهة فى الامتحان يتمكن من حلها.
تصميم تلك البرمجيات وتحسينها هو تخصص من قسم علوم الحاسب (computer science).
• الحاسبات فائقة السرعة: هى جهاز الكمبيوتر الذى يقوم بتشغيل البرمجيات فى مرحلة التعلم ثم فى مرحلة الإتيان بالحلول، هاتان المرحلتان تحتاجان أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة نظرا للكم المهول من العمليات الحسابية سواء فى مرحلة التعلم أو فى مرحلة الحل، مرحلة التعلم تحتاج عمليات حسابية أكثر من مرحلة الحل لكن كليهما يحتاجا أجهزة كمبيوتر قوية مرتفعة الثمن جدا وتعتمد على عدد كبير من رقائق الكمبيوتر المتخصصة.
تصميم وبناء تلك الأجهزة هو أحد أفرع أقسام هندسة الحاسبات (computer engineering) وهو التخصص الدقيق لكاتب هذه السطور.
• العنصر البشرى (المواهب): هو أهم العناصر لأن اكتشاف المواهب وتدريبها هو النبع الذى يغذى كل العناصر التى ذكرناها، ولاحظ أننا لم نذكر أننا نحتاج مبرمجين، لكن نحتاج ما هو أقوى بكثير من هذا، نحتاج متخصصين فى علوم البيانات ومتخصصين فى تصميم وتحسين برمجيات الذكاء الاصطناعى (وهذا أكثر عمقا وصعوبة من مجرد مبرمج) ومتخصصين فى تصميم الحاسبات.
هب أننا حصلنا على تلك العناصر أو الأعمدة التى تؤلف القاعدة الأساسية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى، فهل فعلا الذكاء الاصطناعى هو العصا السحرية التى ستحل كل مشاكل كوكب الأرض وبأقل تكلفة وبدون أية أخطار؟برمجيات الذكاء الاصطناعى أصبحت تؤثر على كل مناحى الحياة تقريبا، فهل هذا شىء سيئ أم حسن؟ الإجابة تعتمد على عدة عوامل نستطيع تقسيمها إلى مكاسب وخسائر، بالنسبة للمكاسب:• تحسين كفاءة التعامل مع البيانات والأبحاث فى التخصصات المختلفة: برمجيات الذكاء الاصطناعى تبرع فى تحليل كم ضخم من البيانات واكتشاف الأنماط فيها وتحليلها، هذا يساعد الباحثين والمتخصصين فى كل المجالات تقريبا الإنسانية منها والتطبيقية، استخدام تلك البرمجيات كأداة مساعدة للباحث أو المتخصص سترفع جدا من كفاءته وبالتالى انتاجيته التى من المفترض أنها تفيد البشرية.
• تحسين كفاءة الأجهزة والمصانع إلخ: برمجيات الذكاء الاصطناعى يمكنها مراقبة وتحسين كفاءة المصانع والتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها ومراقبة الجودة إلخ، ويمكنها التحكم ورفع كفاءة شبكات توزيع الكهرباء فى المدن والقرى.
يمكننا أن نقول إن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى تقلل التكلفة للخدمات أو المنتج إذا تم استخدامها بطريقة صحيحة.
• توليد البيانات المهمة: برمجيات الذكاء الاصطناعى يمكنها الآن القيام بوظيفة المبرمج، لكن حتى لحظة كتابة هذه السطور تحتاج عنصر بشرى للتأكد من دقة وصحة البرمجيات المولدة من الذكاء الاصطناعي، يمكنها أيضا تلخيص التقارير والاجتماعات، وكتابة التقارير الطبية والقانونية وما شابه، كل ذلك يؤدى إلى اختصار وقت القيام بتلك المهام والجهد اللازم وبالتالى تقليل التكلفة.
هذه النقاط أعلاه تعطى فكرة عامة عن أهمية الذكاء الاصطناعى وتأثيره الإيجابى، لكننا تعلمنا أنه لا شىء إيجابى بنسبة مائة بالمائة، فلكل شىء ثمنه، ولكل فعل رد فعل، فما هى تكاليف استخدام الذكاء الاصطناعى؟التكنولوجيا هى صناعة بشرية، وبالتالى ليست خالية من الأخطاء، ويستعملها بشر، وبالتالى ليست بمأمن من المخاطر، والذكاء الاصطناعى هو فى النهاية تكنولوجيا بشرية، فلها ما لها وعليها ما عليها، ما هى تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعى؟• أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة التى تحتاجها برمجيات الذكاء الاصطناعى تستهلك كميات مهولة من الطاقة، وبالتالى التكلفة المالية مرتفعة جدا حتى أن أغلب شركات الذكاء الاصطناعى التوليدى مثل (OpenAI) لم تحقق مكاسب حتى الآن.
أيضا تأثير تلك الأجهزة على البيئة ليس هينا لأنها تستهلك كم كبير من المياه للتبريد.
• برمجيات الذكاء الاصطناعى قد تهلوس، أى تعطى إجابات خاطئة، وإن لم يكن العنصر البشرى موجودًا فالنتيجة قد تكون كارثية، والتحقق من صحة مخرجات الذكاء الاصطناعى فى فرع مثل البرمجة مثلا قد يحتاج وقتا من العنصر البشرى أكثر مما قد يحتاجه هذا العنصر لكتابة البرمجيات بنفسه.
• تجميع وتخزين وتنقية البيانات المستخدمة لتعليم برمجيات الذكاء الاصطناعى ليس بالشىء الهين وأيضا تكلفته مرتفعة فى بعض المجالات.
إذا لم تكن المكاسب أكثر من الخسائر، أو لم تبذل الشركات ومعامل الأبحاث جهدها لتحقق ذلك، فلن تلبث شركات كثيرة أن تعلن إفلاسها وقد تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعى.
أية تكنولوجيا مهما كانت متقدمة تعتمد فى بنائها وعملها على عناصر وعوامل وتكنولوجيات مساعدة، على الدول النامية التى لا تستطيع المنافسة فى التكنولوجيا المتقدمة أن تستثمر فى تلك العوامل أو التكنولوجيات المساعدة التى بدونها لن تعمل التكنولوجيا المتقدمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك