القدس العربي - كأس العالم والولايات المتحدة والعنصرية القدس العربي - من إيران إلى لبنان: كيف سيبقي ترامب نتنياهو «عاقلا»؟ العربية نت - أميركا تلحق بالمكسيك وتحسم بلوغها دور الـ32 على حساب أستراليا الجزيرة نت - الهدن المتدحرجة بين حزب الله وإسرائيل.. محطات تهدئة في حرب لا تنتهي القدس العربي - تونس: صانعو الثورة خارج المشهد القدس العربي - حكماء الرقص على الحبل ما بين الثقفيّ والبرمكيّ وبُولو العربية نت - ترامب: اتفاق إيران أنهى أصعب حروبنا الجزيرة نت - توماس فريدمان: ترمب قدّم مصالحه الشخصية على كل شيء في الاتفاق مع إيران القدس العربي - بين الموقف والحياد… علاقة المثقف بالسياسة CNN بالعربية - منتخب أمريكا ثاني المتأهلين لدور الـ32 في كأس العالم 2026
عامة

صدمة الـ 14 بندًا

الشروق
الشروق منذ ساعتين
1

فى لحظات التحولات الكبرى التى تنتج عن حروب بلا نتائج حاسمة، واتفاقيات يسهل تفسيرها بحسب الهوى، لا تكشف السياسة عن نواياها بوضوح، بل تختبئ خلف التسريبات والتأويلات وصراعات السرديات. وعليه، لا تُقاس الا...

فى لحظات التحولات الكبرى التى تنتج عن حروب بلا نتائج حاسمة، واتفاقيات يسهل تفسيرها بحسب الهوى، لا تكشف السياسة عن نواياها بوضوح، بل تختبئ خلف التسريبات والتأويلات وصراعات السرديات.

وعليه، لا تُقاس الاتفاقات بما تُعلنه العواصم بقدر ما تُقاس بما تُنتجه من توازنات على الأرض.

فبين واشنطن وطهران، لا يبدو أن الأمر مجرد تفاهمات سياسية من 14 بندًا، بل اختبار دقيق لفكرة «الردع الذكى» الذى يوازن بين تقليل التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة؛ حيث يتحول الاتفاق إلى ميزانٍ بالغ الحساسية، قد يدفع به أى اختلال بسيط من مربع الاستقرار إلى شرارة اضطراب واسع.

تعيش العلاقات الأمريكية الإيرانية فى هذه الأيام منعطفًا ملحميًا تجسد فى إعلان الرئيس دونالد ترامب عن وثيقة التفاهم المكونة من 14 بندًا، والتى تمثل فى عمقها اعترافًا استراتيجيًا وتكتيكيًا فادحًا بتبدل موازين القوى لصالح طهران.

يعكس هذا التطور رغبة واشنطن فى تجنب كارثة اقتصادية عالمية، تشبه الكساد الكبير فى ثلاثينيات القرن الماضى، مدفوعة بالمخاوف من استمرار إغلاق مضيق هرمز وتداعياته على النفط والأسواق.

وفى خطوة تبريرية، أقر ترامب بضرورة إطلاق سراح مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة لحماية مكانة الدولار عالميًا من التآكل، متراجعًا عن خيار الصراع العسكرى الذى استنزف المخزونات الأمريكية من الذخائر والصواريخ الذكية خلال 40 يومًا فقط من القتال.

لم يقتصر الأمر على الشق المالى، بل امتد ليتضمن غض الطرف عن برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، تلاه الاعتراف بشرعية تخصيب اليورانيوم، الأمر الذى فجّر عاصفة سياسية فى واشنطن، تُرجمت فى تضارب حاد فى الروايات بين ترامب ونائبه جى دى فانس بشأن مدى صحة وجود صندوق إعمار بقيمة 300 مليار دولار يُفترض أن تتحمله دول الخليج.

فى المقابل، علّق الرئيس السابق باراك أوباما لشبكة «ABC»، مؤكدًا أن جوهر هذا الاتفاق لا يختلف عن تفاهمات إدارته السابقة، مما يبرز حجم التنازلات الحالية بعد حرب شنت فيها واشنطن آلاف الغارات واستهلكت ثلث مخزوناتها على الأقل من صواريخ الكروز، وقنابلها الثقيلة المحدودة مثل «GBU ــ 57»، وكل ذلك بدون حسم برى لم يقو عليه ترامب نظرًا لكلفته السياسية والمالية والبشرية الباهظة.

هذا الاتفاق ــ إن تم ــ يعطى طهران رافعة مالية هائلة، إضافة إلى اعترافٍ صريح يتيح لها مضاعفة قدراتها العسكرية، وعلى رأسها ترسانتها الباليستية، لا سيما بعد إخفاق منظومات الدفاع الجوى الأمريكية مثل «ثاد» (التى جُلبت من كوريا الجنوبية) فى توفير حماية مطلقة للقواعد العسكرية الأمريكية بالخليج، والتى واجهت تدميرًا هيكليًا جعل استمرار التصعيد انتحارًا استراتيجيًا.

هذه التنازلات الأمريكية أحدثت زلزالًا فى عمق النظام الإقليمى وهزت ثقة الحلفاء فى المظلة الأمنية لواشنطن بشكل غير مسبوق، وكشفت القناة 12 الإسرائيلية عن رفض واشنطن إطلاع تل أبيب على بنود المذكرة السرية خوفًا من إفشالها عبر الكنيست أو قنوات الاتصال بالكونجرس، مما يعكس عمق تباين المواقف بين ترامب ونتنياهو، الذى يرى فى تفكيك العقوبات النفطية والمصرفية غنيمة حرب مجانية تمنح طهران نفوذًا مطلقًا.

وفى ظل هذا التراجع، تتجه القوى الإقليمية لبناء شبكة أمان ذاتية ومستقلة؛ فتسعى السعودية لتعميق تحالفها مع باكستان، وتتحرك الإمارات نحو الهند، بينما يتجه المحور المصرى التركى نحو تعميق التقارب، فى وقت تدرك فيه دول الخليج أن فعالية مظلة الدفاع الأمريكية تهاوت، لا سيما بعد الموقف الصينى الروسى الداعم لطهران فى هذا الصراع، مع استمرار توجيه الصواريخ الإيرانية نحو منشآت حيوية بالمنطقة كأوراق ضغط دائمة.

هذا الواقع الجديد يفرض مراجعة شاملة للتحالفات؛ حيث صعد نفوذ القوى المتشددة فى طهران بقيادة أحمد وحيدى قائد الحرس الثورى، الذى بات يتحكم فى مسارات النفوذ الإقليمى لبلاده عبر حلفائها فى اليمن ولبنان، مما يضع منطقة الخليج أمام ضرورة حتمية لتعزيز التقارب المباشر والحياد الإيجابى وبناء تفاهمات مستدامة مع طهران قائمة على حسن الجوار واستقرار الملاحة، بعيدًا عن أوهام الحماية الخارجية التى تلاشت على أعتاب مضيق هرمز.

وفى وسط الشرق الأوسط، تترجم هذه الهواجس الأمنية فى حساسية إسرائيل المفرطة تجاه ما تصفه بالتحركات العسكرية المصرية فى سيناء.

ومصر تؤكد دائما أن هذه التجهيزات تقع ضمن السيادة الوطنية وتحت مسمى التنمية الشاملة والمسح الجيوفيزيائى للصحراء بحثًا عن الثروات التعدينية كالفوسفات والذهب.

فى المحصلة، لم يعد الشرق الأوسط مجرد رقعة شطرنج تحركها صفقات القوى الكبرى العابرة للقارات.

إن الخيط الناظم بين تراجع واشنطن الاضطرارى أمام طهران، وهبوط مظلات الحماية الخارجية، وصولًا إلى فرض مصر لمعادلة الردع الحازمة فى سيناء، يكمن فى حقيقة واحدة: حقبة «الوكيل الأمنى» قد طويت إلى غير رجعة.

نحن أمام نظام إقليمى جديد يولد من رحم الأمر الواقع، نظام لا يعترف بالتبعية ولا تحميه الوعود الخارجية، بل تصيغ قواعد اشتباكه القوى القادرة وحدها على حماية سيادتها ومقدراتها بذاتها.

وفى هذا العالم المتجه متسارعًا نحو تعدد الأقطاب، لن تكتب أقلام العواصم الغربية المستجدات وتملى الترتيبات، بل ستفرضها قوة ومصالح الدول التى تملك على الأرض.

درعًا وسيفًا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك