الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2.
887 تريليون دولار في 2025، وفق معهد «سيبري».
القوى الكبرى ترفع الرهان على الذكاء الاصطناعي، والصواريخ فرط الصوتية، والحروب السيبرانية.
أميركا والصين وروسيا استحوذت على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي.
السباق الجديد لا يقاس بعدد الأسلحة فقط، بل بسرعة القرار والسيطرة على البيانات.
إيلاف من لندن: دخل العالم مرحلة جديدة من سباق التسلح، لا تشبه بالكامل ما عرفه خلال الحرب الباردة.
فالأرقام التي كشفها معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري» تظهر أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2.
887 تريليون دولار في 2025، بزيادة 2.
9 في المائة عن العام السابق، لكن الرقم القياسي لا يروي القصة كلها.
خلف هذا الإنفاق الضخم، يتغير شكل القوة العسكرية نفسها.
فالتنافس لم يعد محصوراً في الدبابات والطائرات والصواريخ النووية، بل يتوسع إلى الذكاء الاصطناعي العسكري، أي استخدام الأنظمة الذكية في تحليل البيانات وتحديد الأهداف ودعم القرار، وإلى الصواريخ فرط الصوتية التي تفوق سرعتها خمسة أضعاف سرعة الصوت، والحروب السيبرانية، والفضاء الخارجي.
ووفق بيانات «سيبري»، استحوذت أميركا والصين وروسيا وحدها على 51 في المائة من الإنفاق العسكري العالمي، بما يعادل نحو 1.
48 تريليون دولار.
ويعكس ذلك استمرار تمركز القوة العسكرية في يد القوى الكبرى، لكنه يكشف أيضاً أن المنافسة بينها لم تعد تقليدية، بل باتت تدور حول أدوات أكثر سرعة وتعقيداً.
وأنفقت أميركا 954 مليار دولار في 2025، رغم تراجع إنفاقها العسكري نتيجة توقف المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا.
غير أن هذا التراجع يبدو مؤقتاً، إذ تواصل واشنطن تحديث قواتها التقليدية والنووية، وتعزيز قدراتها في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
في المقابل، واصلت الصين صعودها العسكري للعام الحادي والثلاثين على التوالي، مع إنفاق دفاعي بلغ 336 مليار دولار.
ولا يقتصر هذا المسار على زيادة الميزانية، بل يشمل تحديث البحرية، وتطوير الصواريخ، وتعزيز القدرات الفضائية والسيبرانية، بما يمنح بكين حضوراً أوسع في معادلة القوة العالمية.
أما روسيا، فرفعت إنفاقها العسكري إلى 203 مليارات دولار، في وقت تواصل فيه الحرب في أوكرانيا استنزاف الموارد والقدرات.
وعلى الجانب الأوروبي، سجل الإنفاق العسكري قفزة كبيرة بلغت 14 في المائة، ليصل إلى 864 مليار دولار، مدفوعاً بمخاوف أمنية متزايدة منذ اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية.
وتكشف هذه الأرقام عن انتقال واضح في طبيعة التسلح.
فالحروب السيبرانية، وهي هجمات رقمية تستهدف الشبكات والأنظمة والبيانات، لم تعد ملفاً تقنياً جانبياً، بل صارت جزءاً من الأمن القومي.
فقد تستطيع شيفرة برمجية تعطيل محطة كهرباء، أو اختراق شبكة اتصالات، أو شلّ أنظمة مالية وخدمية من دون إطلاق رصاصة واحدة.
وأظهر هجوم «ستاكسنت» عام 2009 كيف يمكن لبرنامج خبيث أن يتسبب في أضرار مادية داخل منشأة صناعية، بعدما استهدف أجهزة طرد مركزي في منشأة نطنز النووية الإيرانية.
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الحرب الرقمية مجرد اختراق بيانات، بل أصبحت أداة ضغط وتعطيل وردع.
على خط موازٍ، يتسارع السباق على الصواريخ فرط الصوتية.
وتكمن خطورتها في سرعتها العالية وقدرتها على المناورة أثناء الطيران، ما يجعل رصدها واعتراضها أكثر صعوبة.
وقد نشرت روسيا أنظمة مثل «أفانغارد» و«كينجال»، فيما طورت الصين منظومات مثل «دي إف-17»، وتعمل أميركا على سد الفجوة التقنية في هذا المجال.
لكن السلاح الأسرع لا يعني بالضرورة الصاروخ وحده.
ففي ساحات القتال الحديثة، باتت الخوارزميات تدخل في تحليل الصور، وتوجيه المسيّرات، وفرز الأهداف، وتقدير المخاطر خلال وقت قصير.
وكلما زادت سرعة المعركة، تقلص الوقت المتاح أمام القادة للمراجعة والتدقيق، وهو ما يرفع احتمالات الخطأ أو التصعيد غير المقصود.
وتقدم الحرب الروسية ـ الأوكرانية مثالاً واضحاً على هذا التحول.
فالمسيّرات الصغيرة، التي كانت تُستخدم غالباً للاستطلاع، تحولت إلى أدوات يومية في القتال والاستهداف والمراقبة.
ولم تعد التكنولوجيا العسكرية حكراً على الجيوش الكبرى، بل أصبحت أدوات منخفضة الكلفة قادرة على تغيير مسار اشتباك محلي أو كشف موقع حساس.
ولا يتوقف السباق عند الأرض والجو.
فالفضاء الخارجي أصبح بدوره مجالاً عسكرياً حيوياً، بعدما باتت الجيوش تعتمد على الأقمار الاصطناعية في الملاحة، والاتصالات، والاستطلاع، والإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية.
ولذلك تعمل قوى كبرى على تطوير قدرات لحماية أقمارها، وأخرى للتشويش على أقمار الخصوم أو تعطيلها.
هذا التشابك بين السلاح والبيانات والفضاء يجعل سباق التسلح الجديد أكثر تعقيداً من سباقات الماضي.
ففي الحرب الباردة، كان الردع النووي هو العنوان الأبرز.
أما اليوم، فإن الردع يتوزع بين منصات كثيرة: صاروخ سريع، وخوارزمية تحلل، وقمر اصطناعي يرصد، وبرنامج خبيث قد يعطل شبكة كاملة.
وتكمن خطورة المرحلة الجديدة في أن التقنيات العسكرية تتطور بوتيرة أسرع من قواعد ضبطها.
فالاتفاقات الدولية للحد من التسلح تراجعت فعاليتها، بينما تتقدم الأسلحة الذكية، والمسيّرات، والقدرات السيبرانية، وأنظمة الفضاء، من دون إطار عالمي واضح يحدد قواعد الاستخدام والمسؤولية.
وهكذا، لا يبدو أن العالم يعود فقط إلى سباق تسلح قديم، بل يدخل سباقاً مختلفاً: سباقاً على السرعة، والبيانات، والقدرة على اتخاذ القرار قبل الخصم.
وفي هذا السباق، قد لا يكون السؤال الأخطر: من يملك السلاح الأكبر؟ بل من يملك النظام الأسرع، ومن يستطيع منع الخوارزمية من ارتكاب خطأ لا يمكن التراجع عنه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك