وقد شكّلت مسيرتها الفنية الممتدة من أواخر خمسينيات القرن العشرين حتى أوائل التسعينيات علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، حيث شاركت في نحو 91 فيلمًا، وارتبط اسمها بأعمال خالدة ما زالت حاضرة في الذاكرة الفنية حتى اليوم.
وُلدت سعاد حسني في 26 يناير 1943 بحي بولاق في القاهرة، داخل أسرة كبيرة ذات أصول متعددة تجمع بين الشامية والمصرية، فوالدها محمد كمال حسني البابا كان خطاطًا معروفًا، ووالدتها جوهرة محمد حسن صفور تنتمي إلى أصول مصرية حِمصية.
نشأت وسط أسرة كبيرة تضم عددًا كبيرًا من الإخوة والأخوات، وكان ترتيبها العاشر بين أبناء العائلة، ومن أبرز أفراد أسرتها غير الشقيقة الفنانة الشهيرة نجاة الصغيرة، وقد انفصل والداها وهي في سن الخامسة، لتنشأ في كنف والدتها وزوجها الجديد، ولم تلتحق بتعليم نظامي، بل تلقت تعليمها في المنزل، ما جعل شخصيتها تعتمد مبكرًا على التجربة الذاتية والانفتاح على الحياة.
بدأت ملامح موهبتها الفنية تظهر في سن مبكرة، حين اكتشفها الشاعر عبد الرحمن الخميسي وأشركها في مسرحية «هاملت» بدور أوفيليا، وهو ما فتح أمامها الباب لعالم الفن، ثم جاء التحول الأكبر عندما اختارها المخرج هنري بركات لبطولة فيلم «حسن ونعيمة» عام 1959، وهو العمل الذي شكّل انطلاقتها الحقيقية نحو النجومية.
ومنذ ذلك التاريخ بدأت رحلة فنية استثنائية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، تعاونت خلالها مع كبار مخرجي السينما المصرية مثل صلاح أبو سيف، يوسف شاهين، عز الدين ذو الفقار، وكمال الشيخ.
سعاد حسني أهم نجمات السينما العربيةخلال الستينيات والسبعينيات، أصبحت سعاد حسني واحدة من أهم نجمات السينما العربية، وشاركت في مجموعة كبيرة من الأفلام التي تنوعت بين الدراما والرومانسية والاستعراض الاجتماعي، من أبرزها: «مال ونساء»، «موعد في البرج»، «صغيرة على الحب»، «الزوجة الثانية»، «القاهرة 30»، «غروب وشروق»، «أين عقلي»، «شفيقة ومتولي»، «الكرنك»، و«أميرة حبي أنا»، إلا أن فيلم «خلي بالك من زوزو» يُعد العمل الأكثر شهرة في مسيرتها، حيث ارتبط الجمهور بشخصية «زوزو» إلى درجة طغت على اسمها الحقيقي في الذاكرة الشعبية.
لم تقتصر مسيرتها على السينما فقط، بل شاركت في مسلسل تلفزيوني واحد هو «هو وهي» عام 1985، إضافة إلى عدد من الأعمال الإذاعية، وقد امتازت بقدرتها على تقديم الأداء الاستعراضي والغنائي ببراعة، مما جعلها فنانة متكاملة قلّ نظيرها في جيلها، كما كان آخر أعمالها السينمائية فيلم «الراعي والنساء» عام 1991، والذي شاركت في بطولته إلى جانب أحمد زكي ويسرا، رغم تدهور حالتها الصحية آنذاك.
أحداث مهمة في حياة سعاد حسنيحصلت سعاد حسني على العديد من الجوائز والتكريمات، أبرزها تكريمها من الرئيس أنور السادات عام 1979 في احتفالات عيد الفن، كما اختيرت ضمن أفضل ممثلات القرن العشرين في استفتاء مئوية السينما المصرية عام 1996، وحلّت في المركز الثاني، كما اختار النقاد ثمانية من أفلامها ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري، وهو ما يعكس حجم تأثيرها في تاريخ السينما.
أما حياتها الشخصية فقد كانت محل اهتمام وجدل واسع، تزوجت خمس مرات، أبرزها من المخرج علي بدرخان الذي استمر زواجهما أكثر من عقد، إضافة إلى زيجات أخرى من شخصيات فنية مثل صلاح كريم وزكي فطين عبد الوهاب، وأخيرًا الكاتب ماهر عواد.
كما أُثيرت شائعات حول زواجها من الفنان عبد الحليم حافظ، وهو ما ظل محل جدل طويل بين التأكيد والنفي، ورغم حياتها العاطفية المعقدة، لم تنجب أطفالًا، رغم ما قيل عن تعرضها لإجهاضات متكررة نتيجة الضغوط المهنية والنفسية.
مع نهاية الثمانينيات، بدأت معاناتها الصحية بشكل واضح أثناء تصوير بعض أعمالها، حيث أصيبت بمشكلات خطيرة في العمود الفقري، تضمنت تآكلًا في الفقرات وآلامًا شديدة أثرت على حركتها، وخضعت لاحقًا لعملية جراحية في فرنسا عام 1992، لكنها لم تحقق الشفاء الكامل.
كما أصيبت لاحقًا بالتهاب في العصب السابع أدى إلى شلل في الوجه، وزاد الوضع سوءًا بعد فقدان والدتها، مما انعكس على حالتها النفسية والجسدية، ورغم ذلك، ظلت تحاول الاستمرار في العلاج والعمل حتى اضطرها المرض إلى الابتعاد عن الساحة الفنية.
في 21 يونيو 2001، انتهت رحلة سعاد حسني بشكل مأساوي، حين توفيت إثر سقوطها من شرفة شقة كانت تقيم فيها في لندن، وقد أثارت وفاتها جدلًا واسعًا، إذ تضاربت الروايات بين من يرى أنها حادثة انتحار وبين من يعتقد أنها جريمة قتل، ولا تزال القضية حتى اليوم محاطة بالغموض والتكهنات، خاصة في ظل مطالبات متكررة بإعادة فتح التحقيق.
وبينما رحلت سعاد حسني جسدًا، بقيت حاضرة في الذاكرة الفنية العربية كواحدة من أكثر الفنانات تأثيرًا وإبداعًا، حيث أسست لمسار فني استثنائي جمع بين الموهبة والجرأة والتنوع، وجعلها رمزًا خالدًا للسينما المصرية والعربية، وواحدة من أعظم نجماتها عبر التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك