ماذا لو أصبحت «القوة القاهرة» هي النظام؟تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط.
قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو موثوقية خوارزمياته.
معاً، يحاولون العبور بالطائرة من مطبّ هوائي إلى آخر؛ وما إن يلتقط الركّاب أنفاسهم ويعتقدون أن العاصفة قد ولّت، حتى يأتيهم نداءٌ جديد وصارم بضرورة التشبث بالمقاعد.
هذا المشهد السريالي لرحلة مضطربة دون وجهة واضحة، ليس مقطعاً من فيلم سينمائي، بل هو توصيف واقعي لحالة النظام الدولي في الوقت الراهن.
فما نشهده اليوم من جوائح، وحروب هجينة، وتآكل مؤسساتي، لم يعد مجرد مطبات جوية طارئة على رحلة العولمة، بل أصبح هو مسار الرحلة ذاته.
وهذا يعني أننا دخلنا في ديمومة الأزمة، وهي حالة يمكن توصيفها بـ»القوة السياسية القاهرة».
في القانون التجاري، تُعرَّف القوة القاهرة، بأنها حدث خارج عن إرادة الأطراف يمنعهم من تنفيذ التزاماتهم التعاقدية، كالحروب أو الكوارث الطبيعية.
وقد برز تفعيل هذا البند تجارياً إبان الهجمات الإيرانية التي طالت منشآت النفط وحركة الناقلات في الخليج، مما أجبر شركات الطاقة على إعلان ‹القوة القاهرة› لتبرير تعطل شحناتها، في خطوة أحدثت صدمات هزت الأسواق العالمية.
ومع إسقاط مفهوم «القوة القاهرة» على الجغرافيا السياسية، نجد أنفسنا أمام قوة مبهمة تتلاشي فيها قدرة الدول منفردة ومجتمعة على التنبؤ بالأزمات أو حوكمتها أو حتى السيطرة عليها.
من الطبيعي ألا نشهد سقوط النظام الدولي الحالي، الذي تأسس بعد الحرب الباردة، بضربة دراماتيكية، ولهذا، نحن على متن هذه الرحلة اليوم، التي تتآكل فيها الركائز التي قام عليها هذا النظام بهدف تحقيق الاستقرار النسبي، وتمكين الدول من التعامل مع الأزمات الاستثنائية، ووضع خطط استراتيجية طويلة الأمد.
لكن ماذا لو أصبحت الأزمة أو «القوة السياسية القاهرة» هي النظام نفسه؟ خلال السنوات الأخيرة، بدت الثقة بالقانون الدولي الإنساني ومؤسسات العمل متعدد الأطراف، وفي مقدّمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، اللذان يبدوان عاجزين عن فرض قواعد النظام الذي أُنشئا لحمايته، متآكلة إلى حدّ كبير، وأقلّ ما يمكن وصفها بـ»المترهلة».
تسارعت مؤشرات التآكل مع الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الغذاء العالمية، ثم مع حرب السابع من أكتوبر، حيث استُخدمت القوة العسكرية المفرطة الإسرائيلية على نطاق واسع في غزة ولبنان وفي عمليات الاغتيال السياسي في قلب العاصمة القطرية الدوحة، لإدراكها بعجز المنظومة الدولية عن فرض المحاسبة.
كذلك كشفت المواجهة المتصاعدة بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، بُعداً آخر لهذا التآكل، إذ تحوّلت المضائق والممرات البحرية وعلى رأسها مضيق هرمز، إلى أدوات ضغط جيوسياسي.
بموازاة ذلك، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة نفوذ تعيد رسم خرائط القوة من خلال التأثير في الرأي العام والتلاعب بالمعلومات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تُستخدم المنظومة المالية الدولية كأداة للضغط السياسي، في مؤشر على تآكل النظام المالي العالمي الموحد، وصعود مسارات اقتصادية بديلة تحمي بقاء الأنظمة.
ينعكس هذا التفتت البنيوي أيضًا في ملف الأوبئة والتغير المناخي، الذي أصبح عاملًا مسرعًا للاضطرابات العالمية وليس قضية عابرة تُطرح في مؤتمر أو في مشاورات أممية.
هذه المؤشرات عززت ما يُسميه عالم السياسة إيان بريمر بـG-Zero، الذي يرى أن النظام الدولي الراهن يفتقر إلى قوة عظمى مهيمنة واحدة، أو إلى تحالف من الدول يمتلك القدرة أو الإرادة لتولي قيادة النظام الدولي بصورة متسقة ومستدامة.
بالتالي لن نتساءل اليوم عن هوية ربّان الطائرة؟ أي من سيقود المرحلة الراهنة؟ بل من سيكون الأقدر على التكيّف من الركاب في رحلة أصبحت فيها الأزمات هي القاعدة لا الاستثناء؟ وهنا، لم تعد القوة السياسية القاهرة مجرد توصيف نظري لحالة عابرة، بل أصبحت الثابت الوحيد الذي قد يُعيد هندسة النظام الدولي.
ولعلّ الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في استمرار المطبات الجوية، بقدر ما يكمن في التسليم بأننا على متن رحلة.
قد لا تهبط قريباً.
@snasser24.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك