بدأت الحكاية في الخمسينيات عندما هاجر الجدان" إيزار وسارة تساروم" من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مخيم" عتليت" للمهاجرين في مدينة حيفا الفلسطينية، برفقة ولديهما.
هناك، وضعت الجدة طفلتها" زيونا"، لكن الفرحة لم تدم طويلا، إذ أُدخلت الرضيعة المستشفى، وبعد أيام أبلغت الإدارة الطبية الأم بأن طفلتها ماتت وجرى دفنها، وسرعان ما انصاع الجدان للرواية دون شك أو طلب لرؤية الجثة، وعاشا عقودا على هذا العزاء، حتى إن ابنهما الآخر" صيون" كبر دون أن يعلم بوجود أخت له.
انقلب كل شيء في أواخر الستينيات، حين فجّر قريب للعائلة يعمل في دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية مفاجأة صادمة أثناء مراجعته للبيانات الرسمية، إذ تبين أن زيونا حية تُرزق ولم تمت، بل جرى فصلها وتبنيها من قِبل عائلة ثرية ومعروفة في حيفا، ولها علاقات وثيقة مع كبار المسؤولين الحكوميين.
هذه المأساة المكتومة لعائلة" تساروم"، ليست سوى قصة واحدة من بين آلاف الحكايات لعائلات -أغلبهم من اليمنيين والتونسيين والليبيين ومن دول البلقان- عاشوا مأساة مماثلة وموثقة في أرشيف جمعية" عمرام" (Amram)، التي تكشف حجم نظام الاختطاف الممنهج، ولكن أمام هذا الأرشيف الهائل من الضحايا والشهادات، يثبت الواقع اليوم أن سياسة كنس الحقائق وإغلاق الملفات لا تزال مستمرة وبقوة لمنع خروج هذا الملف إلى العلن.
ففي الوقت الذي يُحيي فيه المتضررون اليوم العالمي لذكرى اختفاء أطفال اليمن، أمس الاثنين، كشف تحقيق حديث أجرته صحيفة يديعوت أحرونوت عن صدمة جديدة، إذ أُغلقت اللجنة التابعة لوزارة الصحة، والمُكلَّفة بالتحقيق في تورط مسؤولين طبيين في القضية، دون التوصل إلى نتائج أو إبلاغ الرأي العام.
هذه اللجنة الحكومية كان قد شكّلها وزير الصحة موشيه أربيل في مايو/أيار 2023 لفحص تورط القطاع الطبي في قضية أطفال اليمن والمزراحيين والبلقان، بهدف التحقيق الرسمي في دور النظام الصحي في اختفاء آلاف الأطفال الرضع في السنوات الأولى من عمر إسرائيل.
وقد جاءت هذه الخطوة أساسا كاستجابة لاحتجاجات حادة أعقبت رفضا ضمنيا لمسودة تقرير داخلي صدر عام 2021، أعدّه البروفيسور إيتامار غروتو والدكتورة شلوميت أفني، والذي أثبت، بشكل غير مسبوق، تورط النظام الصحي بشكل فعلي في ممارسات عنصرية.
أثارت تلك الوثيقة، التي جُمدت، صدمة في إسرائيل عندما كشفت وبالأدلة الدامغة عن إجراء تجارب طبية وتشريح جثث لأطفال دون موافقة ذويهم، واعتماد نظام لفصل الأطفال الأصحاء في مراكز المهاجرين بغرض التبني مع إصدار إشعارات وفاة كاذبة، وطالبت التوصية بشكل حاسم تقديم اعتذار رسمي وتاريخي للأسر.
بحسب البروفيسور إيتامار غروتو، وهو أحد مؤلفي التقرير الذي خلص إلى أن النظام كان يُدار بطريقة عنصرية، إذ قال: " إنهم يحاولون التستر على الأمر".
وأكد غروتو أنه رغم تغيير الوزراء والمديرين التنفيذيين في وزارة الصحة لا يزال التعامل مع هذه القضية يتسم بالتستر وعدم الشفافية، مضيفا: " تكمن المشكلة الرئيسية في أن النظام الصحي أظهر في النهاية سلوكا عنصريا.
الناس لا يحبون مواجهة هذه الحقيقة.
العنصرية لم تختفِ من العالم، والاستمرار في محاولة القضاء عليها هو الخطأ بعينه".
في المقابل، بررت وزارة الصحة إغلاق اللجنة في بيانها قائلة: " بعد دراسة الموضوع، رأت اللجنة أنها لا تملك الأدوات المناسبة لإجراء دراسة تاريخية شاملة حوله، وهو أمر مشكوك في إمكانية إجرائه في الوقت الراهن، وأنها غير قادرة على تجاوز استنتاجات الدراسات الرسمية السابقة حول الموضوع، بما في ذلك لجان التحقيق المختلفة التي بحثت هذه القضية بعمق".
ولم يتوقف الشلل عند عمل اللجنة فحسب، بل امتد ليعطل مسار فتح المقابر، حيث لم يُكمل معهد الطب الشرعي عملية فك رموز أربعة من القبور الخمسة التي فُتحت.
وصرّح المحامي رامي تسبري، الذي يُرافق العائلات: " كنا في منتصف إجراءات فتح القبور، ثم اندلعت الحرب، حرب دامية.
عُثر على تطابق في القبر الأول، ولم نتلقَّ ردا بخصوص القبور الأربعة الأخرى، وهناك عشرة قبور أخرى أكدت المحكمة أن العائلات تنتظر فتحها".
وأمام هذا الواقع، يؤكد الرئيس التنفيذي لجمعية" عمرام" توم ماهاغر -التي تسعى إلى اعتراف من السلطات الإسرائيلية في قضية اختفاء وموت آلاف الأطفال اليمنيين- على جذر الأزمة قائلا: " بدأت هذه القضية الخطيرة باختطاف أطفال من ذويهم، واستمرت في ظل التستر لمدة 75 عاما.
سنواصل العمل مع العائلات، ونشر شهاداتهم، وعقد أيام توعية، ونشر مواد ذات صلة.
لن نهدأ ولن نصمت حتى تتحقق العدالة".
بدأت فصول قصص هذه العائلات خلال عام 1949، حين قامت الوكالة اليهودية بترحيل نحو 50 ألفا من يهود اليمن، في عملية أُطلق عليها" بساط الريح"، لضمهم إلى مكونات المجتمع اليهودي خلال تأسيس إسرائيل، إلا أن قرابة 2000 من أطفالهم اختفوا تباعا بدعوى الوفاة، وما زال مصيرهم مجهولا حتى اللحظة.
وكانت الجزيرة تتبعت الملف في تحقيق خاص لبرنامج المتحري في عام 2023، إذ تبين أن عمليات انتزاع الأطفال من أسرهم كانت" ممنهجة ومنظمة" لصالح جهات أشرفت على إتاحتهم لتبني أسر يهودية أخرى، وأن العمليات كانت تتم بنسق واحد عبر مراحل متعددة بدأت قبل وصول هؤلاء الأطفال وأسرهم إلى إسرائيل.
وعند تتبع الوثائق وأرشيف إسرائيل تبين وجود ملابسات عديدة تدعم ما ذهب إليه باحثون وأسر بعض هؤلاء الأطفال، من أنهم لا يزالون على قيد الحياة، وأنه جرى اختطافهم لأهداف غير معلنة.
وكشف التحقيق أنه لم يكن يُسمح للأهالي أخذ جثامين أطفالهم أو حتى معرفة أماكن دفنهم، كما لم يتم إعطاؤهم شهادات وفاة ولا حتى السماح بإقامة عزاء لهم، وهي الأمور التي كانت تؤكد أن ادعاء وفاتهم غير صحيح.
وتم إخفاء العديد من الوثائق بالأرشيف الإسرائيلي، والتي كان من الممكن أن تكون ذات أهمية قصوى لعمل لجان التحقيق، حيث كان يتم تدميرها أو يعلن عن فقدها قبل جلسات تلك اللجان، أو يتم حذف أسماء الأطفال بعد نسخها.
وعند العودة لأرشيف الملف، نجد أن إسرائيل اتبعت عدة مسارات في التعامل مع الملف، فإلى جانب فتح لجنة للتحقيق في الملف، وافقت الحكومة الإسرائيلية في فبراير/شباط 2021 على خطة تعويضات بقيمة 162 مليون شيكل (نحو 50 مليون دولار) لعائلات المهاجرين الذين قدموا إلى إسرائيل في السنوات الأولى.
ويرى محللون أن ذلك يعني اعترافا ضمنيا إسرائيليا بالملف، ومحاولات عدة لطمسه كما يؤكد ماهاغر إذ يقول: " قبل تشكيل اللجنة، اجتمعنا مع أعضاء من حزب شاس الذين أكدوا لنا جدية عملها، لكن تبين أنها أُغلقت ولم تنجز شيئا يُذكر، ما يؤكد التستر الكامل على القضية".
ورغم أن إسرائيل -حينها- أعربت عن أسفها وتفهمها للمعاناة التي لحقت بالعائلات، فإنه لم يصدر أي اعتذار رسمي عما يمثل واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل والحساسية في المجتمع الإسرائيلي، وقد أثار غياب الاعتذار الرسمي حتى اليوم انتقادات من الجهات التي تساعد العائلات المتضررة، كما وُجهت انتقادات لشروط الخطة التي تستبعد العديد ممن كانوا جزءا من هذه المأساة.
وأعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في بيان له في ذلك الوقت أنه سيدفع للعائلات 200 ألف شيكل (نحو 61 ألف دولار) عن كل طفل لا يزال مصيره مجهولا، كما أن تلقي التعويض مشروط بالتزام مكتوب بعدم رفع أي دعاوى قضائية أخرى بشأن هذا الأمر، والتنازل عن أي إجراء قانوني قائم وإغلاقه، وهو ما يؤكد محاولات التستر المستمرة على مدار السنوات.
جاءت خطة التعويضات هذه بعد العديد من الدعاوى القضائية التي رفعتها العائلات، ورغم أن إسرائيل أعلنت بطلان هذه القضايا بموجب قانون التقادم، فإن المحكمة العليا لم تبت في الأمر حينها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك