بعد موجة من تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تنظر الصين إلى الاتفاق الأخير بين إيران والولايات المتحدة بوصفه نافذة ضرورية لاحتواء التصعيد، ولكنه ليس نهاية للأزمة.
وتعكس تغطيات الإعلام الصيني وتصريحات المسؤولين في بكين رؤية تقوم على دعم التهدئة عبر الحوار، مع التحذير في الوقت ذاته من تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك ملفاته، لأن الاتفاق -من منظور صيني- يمثل خطوة إيجابية تعيد فتح باب الدبلوماسية، لكنها تحرك حذر في بيئة هشة تجعل الاتفاق عرضة للخرق والانحراف في أي لحظة.
list 1 of 4إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية وغموض بشأن أموال طهران المجمدةlist 2 of 4ما الآليات الجديدة التي تمخضت عن مباحثات سويسرا؟list 3 of 4الإعلام الناطق بالألمانية يقرأ مأزق نتنياهو بعد اتفاق إيرانlist 4 of 4مباحثات قطرية هولندية لتعزيز أمن المنطقة ودعم الحوار الأمريكي الإيرانيأظهرت التغطية الإعلامية الصينية للاتفاق بين إيران والولايات المتحدة مزيجا من الترحيب الحذر والتشكيك الواقعي، فبينما تنظر بكين إلى الاتفاق بوصفه" إشارة إيجابية" نحو التهدئة، حسب ما نقلته صحيفة تشاينا ديلي عن وزير الخارجية وانغ يي، فإنها تؤكد في الوقت نفسه أن طريق المفاوضات" لن يكون سلسا" وأن الحفاظ على زخم الحوار هو التحدي الحقيقي في بيئة إقليمية معقدة ومليئة بالمتغيرات.
ووصفت صحيفة الشعب اليومية الاتفاق الذي تم التوصل إليه في محادثات سويسرا بأنه" تقدم مشجع"، يعكس رغبة متبادلة لدى واشنطن وطهران في إنهاء الصراع.
ووفق البيان المشترك للوسطاء (قطر وباكستان)، جرى الاتفاق على إنشاء لجنة رفيعة المستوى للإشراف على المفاوضات، ووضع خريطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوما، إلى جانب فتح قنوات لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.
هذا التقدم، كما يراه الأكاديمي دينغ لونغ من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية -في حديث نقلته الصحيفة- يمثل" خطوة إيجابية" تؤسس لمرحلة تفاوضية جديدة، خصوصا في ظل مؤشرات على رغبة أمريكية قوية في احتواء التصعيد.
لكن هذا التفاؤل لا يخفي هشاشة الأساس الذي يقوم عليه الاتفاق، فقد أبرزت صحيفة الشعب سلسلة من التوترات التي رافقت المفاوضات، مثل التهديدات العسكرية الأمريكية والانسحاب المؤقت للوفد الإيراني، مما يعكس عمق الشرخبين الجانبين.
وتعزز صحيفة غلوبال تايمز هذا التوصيف، مشيرة إلى أن المحادثات شهدت" منعطفات حادة" بسبب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ورفض الوفد الإيراني المشاركة حتى في مراسم بروتوكولية.
وترى الصحيفة، نقلا عن الخبير سون ده غانغ، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان، أن المرحلة المقبلة من المحادثات الفنية ستكون" محطات حاسمة"، حيث ستختبر قدرة الطرفين على معالجة قضايا معقدة مثل البرنامج النووي ورفع العقوبات.
لبنان قد تتحول إلى" نقطة اشتعال" دائمة، نظرا لتعارض الحسابات الإستراتيجية، وعدم قدرة الآليات التفاوضية الحالية على حل جذور الأزمةتجمع التقارير الإعلامية الصينية على أن ملف لبنان يمثل التحدي الأكثر إلحاحا، فقد ربطت إيران التقدم في المفاوضات بوقف العمليات العسكرية في لبنان، وهو ما وصفه وزير خارجيتها عباس عراقجي بأنه" الاختبار الحقيقي الأول".
وتوضح صحيفة الشعب أن طهران تسعى من خلال هذا الملف إلى اختبار قدرة واشنطن على كبح إسرائيل، التي تظل" المتغير الأكثر إرباكا".
وتدعم صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست هذا الطرح، مشيرة إلى أن إسرائيل أعلنت صراحة أنها غير ملزمة بالاتفاق، مما يعني أن استمرار عملياتها قد يقوض مسار التفاوض.
في السياق ذاته، يرى الباحث نيو شين تشون -في مقال نشرته صحيفة هوان تشيو- أن مسألة وقف إطلاق النار في لبنان قد تتحول إلى" نقطة اشتعال" دائمة، نظرا لتعارض الحسابات الإستراتيجية بين الأطراف المختلفة، وعدم قدرة الآليات التفاوضية الحالية على حل جذور الأزمة.
إلى جانب لبنان، يبرز مضيق هرمز كأحد أخطر الألغام في طريق الاتفاق، إذ يمثل المضيق-حسب تحليل هوان تشيو- ورقة ضغط رئيسية بيد إيران التي يمكنها استخدامه لتعزيز موقعها التفاوضي، سواء عبر التلويح بإغلاقه أو بفرض شروط على الملاحة.
وفي هذا الاتجاه، تشير ساوث تشاينا مورنينغ بوست إلى أن الاتفاق نص على ضمان حرية الملاحة لمدة 60 يوما فقط، مما يعكس طبيعته المؤقتة التي تترك الباب مفتوحا أمام تجدد التوتر.
كما أن الخلافات حول إدارة المضيق والرسوم المحتملة تعكس صراعا أعمق على النفوذ الاقتصادي والإستراتيجي في المنطقة، وهو ما يؤكده الباحث نيو شين تشون بقوله" إن الولايات المتحدة قدمت تنازلات أكبر، مدفوعة برغبتها في الخروج من الحرب وتجنب تداعيات اقتصادية أوسع".
الاتفاق الإيراني الأمريكي هيكل أولي مؤقت مليء بعدم اليقينوتؤكد التغطيات الصينية للاتفاق أن انعدام الثقة بين واشنطن وطهران يظل عائقا بنيويا أمام أي تقدم، ويشير تقرير صحيفة الشعب إلى أن الضربات العسكرية الأمريكية السابقة خلال الفترات التفاوضية قوضت ثقة إيران بالولايات المتحدة الأمريكية.
كما تلعب الحسابات الداخلية دورا معرقلا، فتهديدات ترمب تستهدف تهدئة الضغوط من التيار المتشدد في الداخل الأمريكي، في حين تحرص إيران على إظهار موقف صلب أمام شعبها وحلفائها.
ونتيجة لذلك قد يلجأ الطرفان إلى استعراض القوة بشكل متكرر، مما يزيد خطر سوء التقدير أو ردود الفعل الانتقامية.
وباجتماع هذه العوامل قد لا يكون الاتفاق الحالي سوى إطار مؤقت، وصفته نائبة مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان جانغ تشو تشو لصحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست بأنه" هيكل أولي مؤقت مليء بعدم اليقين".
وتعكس القراءة الصينية للاتفاق مقاربة براغماتية تجمع بين دعم الانفراج الحذر والوعي بحدود هذا التقدم، على اعتبار أن ما تحقق في سويسرا يمثل تقدما مشجعا ويفتح مسارا تفاوضيا جديدا تدعمه آليات مؤسسية مثل اللجنة رفيعة المستوى وخريطة الطريق الزمنية.
غير أن هذا التقدم لا يعكس حلا نهائيا بقدر ما يؤسس لمرحلة اختبار معقدة، خصوصا في ظل استمرار الملفات الجوهرية كالبرنامج النووي والعقوبات، خارج نطاق الحسم الفعلي حتى الآن.
ويبدو أن هذا الاتفاق -وفق التقدير الصيني- أشبه ما يكون" بالسير في حقل ألغام"، وأقرب إلى هدنة مؤقتة تدار بحذر ضمن توازنات دقيقة، وهو بعيد عن أن يكون تسوية جذرية مستقرة، مما يجعل نجاحه مرهونا بقدرة الأطراف على ضبط المسارات السياسية قبل أن تنفجر في أي مرحلة من مراحل التفاوض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك