تواجه الجزائر منذ مارس/آذار الماضي وضعاً مالياً لم يكن متوقعاً لا من قبل الحكومة ولا ضمن تقديرات قانون الموازنة العامة لسنة 2026 التي حددت سعر البرميل عند 70 دولاراً، بعدما أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، المصدر الرئيسي لإيرادات البلد العربي، إلى مستويات تعدت 125 دولاراً للبرميل، ومنحت الخزينة العمومية هامشاً مالياً إضافياً، بالنظر إلى العجز المقدر بنحو 72 مليار دولار لهذا العام.
غير أن اتفاق الهدنة الموقع مؤخراً بين واشنطن وطهران انعكس سريعا على أسواق الطاقة، مع تراجع أسعار النفط إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل بعد اعادة فتح مضيق هرمز أمام الامدادات العالمية، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن تأثير هذه التقلبات على اقتصاد الجزائر الذي لا يزال يعتمد بشكل مفرط على عائدات المحروقات.
وكما هو معلوم فإن الجزائر، العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط اوبك وتحالف" أوبك+"، تنتج نحو مليون برميل يومياً من البترول الخام، فضلا عن صادرات سنوية من الغاز الطبيعي بما فيها المسال تفوق 50 مليار متر مكعب.
وتشكل إيرادات النفط والغاز نحو 90% من مداخيل البلد العربي من النقد الأجنبي، الذي يعاني اقتصاد تبعية مفرطة لعائدات المحروقات منذ عقود.
وتعليقا على هذا الوضع، يرى الخبير الاقتصادي والمالي نبيل جمعة في حديث مع" العربي الجديد"، أن سعر برميل النفط بأقل من 80 دولاراً، يحمل انعكاسات مهمة على الاقتصاد الجزائري، بحكم أن المحروقات لا تزال تمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة وتمويل الميزانية العمومية للدولة، غير أن تأثيره يبقى مرتبطاً بمدة استمرار هذا الانخفاض ومستوى الأسعار خلال السنة بأكملها.
ويؤكد الخبير أن أسعار النفط التي تتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل تبقى قادرة على توفير موارد معتبرة للخزينة العمومية، وإن كانت أقل راحة مقارنة بمستويات الأسعار التي تفوق 90 دولاراً، وهو ما يجعل المرحلة الحالية مناسبة لمواصلة الإصلاحات الاقتصادية بدل الاكتفاء بالاعتماد على تحسن ظرفي في أسواق الطاقة.
وفي تفصيله لتداعيات تراجع أسعار النفط، يوضح المتحدث أن أولى الانعكاسات تظهر على الميزانية العامة للدولة، باعتبار أن عائدات النفط والغاز لا تزال تشكل المصدر الأساسي للإيرادات العمومية، ما يعني أن استمرار انخفاض الأسعار قد يؤدي إلى تراجع الجباية البترولية وانخفاض مداخيل الصادرات، الأمر الذي قد يحد تدريجيا من هامش المناورة المالية المتاح أمام الحكومة، خاصة في ما يتعلق بتمويل برامج التنمية والسياسات الاجتماعية والاستثمارات العمومية.
ويلفت إلى أن هذا الوضع ينعكس أيضاً على احتياطات البلاد من النقد الأجنبي، بالنظر إلى أن انخفاض أسعار النفط يؤدي تلقائيا إلى تراجع تدفق العملة الصعبة، ما قد يبطئ وتيرة تراكم احتياطات الصرف، ويدفع السلطات مستقبلاً إلى مزيد من التحكم في الواردات، مع تعزيز الرهان على مصادر بديلة للعملة الأجنبية خارج قطاع المحروقات.
وفي السياق نفسه، يشير جمعة إلى أن استمرار تراجع أسعار النفط لفترة طويلة من شأنه أن يفرض ضغوطاً إضافية على قيمة الدينار الجزائري، نتيجة انخفاض مداخيل البلاد من العملات الأجنبية، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على تكلفة الواردات وعلى مستويات الأسعار في السوق المحلية، خاصة في ظل استمرار ارتباط جزء معتبر من الاستهلاك الداخلي بالمنتجات المستوردة.
ويمضي موضحاً أنّ الاستثمار العمومي، الذي يمثل أحد أبرز محركات النشاط الاقتصادي في الجزائر، قد يتأثر بدوره في حال استمرار تراجع الإيرادات النفطية، ما قد يدفع السلطات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتأجيل بعض المشاريع غير ذات الأولوية، مقابل التركيز على المشاريع التي تحقق مردودية اقتصادية مباشرة وتساهم في خلق الثروة ومناصب العمل.
ومنذ صعود الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى سدة الحكم نهاية 2019، برزت مبادرات ومحاولات وصفت بـ" الجدية" لتنويع الاقتصاد وزيادة المبيعات إلى الخارج من قطاعات غير نفطية على غرار الزراعة والصناعة والمناجم، وتعتزم السلطات بلوغ 13 مليار دولار صادرات من خارج قطاع المحروقات في غضون السنتين المقبلتين.
وشهد العام الجاري ارتفاعاً في الانفاق الحكومي، جراء رفع رواتب موظفي القطاع العام فضلاً عن زيادات رفع الأجر الأدنى الوطني المضمون وأيضاً معاشات التقاعد، فضلاً عن رفع منحة العاطلين من العمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك