ثمّة علاقة وثيقة بين السياسة والرياضة، حيث تُعدّ الفاعليّات الرياضيّة الكبرى التي تمثّل فرصةً للتلاقح الحضاري، وتعزيز القاسم المشترك الإنساني، مثل بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تحظى باهتمام جماهيري وإعلامي واسع النطاق، ساحة مثاليّة لتفاعل السياسي والرياضي، بدرجات متفاوتة حسب اختلاف السياقَين، الزماني والمكاني، والأحداث السياسيّة الكبرى المُتزامنة معها، ويكون التفاعل مصحوباً بأصداء يشهدها الفضاء الإعلامي، قد تسير في اتجاه إذا ما كانت هذه البطولة تستضيفها تلك الدولة، بينما تسير في اتجاه مُغاير تماماً إذا كانت تستضيفها دولة أخرى، بما يعكس دلالاتٍ مهمّة سياسيّاً، وثقافيّاً، وحضاريّاً جديرة بالتوقّف والتأمّل.
في النسخة الماضية من المونديال عام 2022 التي استضافتها قطر، شهد الفضاء الإعلامي الغربي حملةً استهدفت قطر، شاركت فيها صحف، وفضائيّات، واتحادات رياضيّة، ومنظّمات حقوقيّة، حملت خطاباً استشراقيّاً استعلائيّاً وصائيّاً، من عدّة أوجه أوّلها الحديث المستفيض عن حقوق العمّال الأجانب، الذين شاركوا في تشييد الملاعب والبنيّة الرياضيّة في قطر، لكنّ الوجه الأكبر منها تضمّن وصم قطر بـ" رهاب المثليّة"، مُحذّراً من أخطار مُحدقة بالمثليّين في أثناء وجودهم في قطر، مطالباً بالحضور العادل للمثليّين في المونديال.
أصدر البرلمان الأوروبي تقريراً، بعد افتتاح المونديال بأيّام، في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، استنكر فيه تجريم السُلطات القطريّة العلاقات بين المثليّين، وطالبها بالإفراج عن معتقلين منهم، كما أعلنت اتحادات أوروبيّة أن قادة فرقهم سوف يرتدون شارات التضامن مع المثليّين في مباريات المونديال، وأبدوا انتقاداً حادّاً لمنع قطر ظهور تلك الشارات في الملاعب، لكن تهديد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بتوقيع عقوبات على أي مخالفة للوائح المنظّمة للبطولة قد حال دون ذلك.
بيد أن وزيرة الداخليّة الألمانيّة قد تحايلت على هذا، بإصرارها على ارتداء تلك الشارة على ذراعها أسفل سترتها التي خلعتها بعد دخولها المدرّجات، بالتزامن مع تلك الصورة الجماعيّة المُخزية التي ظهر بها لاعبو المنتخب الألماني قبل انطلاق مباراتهم مع المنتخب الياباني في المونديال.
أزمة أخلاقيّة كبيرة في الفضاء الغربي تحمل ازدواجيّة معايير صارخة، واستعلاءً ثقافيّاً وحضاريّاً مرذولاًصبّت مُحصّلة تلك الحملة في التشكيك بجدارة دولة عربيّة، باستضافة حدث رياضي كبير مثل المونديال، وأن نجاحها يمثّل انتصاراً حضاريّاً غير مقبول غربيّاً، عبر الحرص على تنميط الصورة الذهنيّة القديمة عن البلاد العربيّة في العقل الجمعي الغربي، بأنها بلاد متخلّفة غارقة في الفوضى، لا تعرف سبيلاً إلى التنظيم الإداري أو القيم الحضاريّة.
أمّا في مونديال 2026 فقد أطاحت الولايات المتحدة كلّ القواعد المُنظِّمة لاستضافة الفاعليّات الرياضيّة الدوليّة، واللوائح المُستقرّة التي أقرّتها الاتحادات الرياضيّة الدوليّة، وركلتها بغطرسةٍ منقطعة النظير، بتقديم الهواجس الأمنيّة على ما سواها، بعدما تفنّنت إدارة ترامب في وضع القيود والعراقيل، أمام البعثات الرياضيّة الرسميّة للفرق المشاركة في المونديال، فضلاً عن الوفود الجماهيريّة من المُشجّعين القادمين من دول العالم الثالث الذين تعاملت معهم السلطات الأميركيّة كأنهم إرهابيّون مُحتمَلون، أو مهاجرون غير شرعييّن.
كانت العقبة الأولى التي استهلّت إدارة ترامب بها البطولة وجود أربع دول مشاركة في المونديال (السنغال وإيران وساحل العاج وهايتي) ضمن قائمة ترامب لسكّان الدول المحظورين من دخول الولايات المتحدة.
جاء مشهد التعامل مع بعثة منتخب السنغال لافتاً كاشفاً، فقد كشّرت السلطات الأميركيّة عن أنيابها في التعامل مع البعثة السنغاليّة، حيث وصلت عمليّة التفتيش الذّاتي لأفرادها إلى حدٍّ مُهينٍ بلغ درجة الإذلال، التي تليق بعتاة المجرمين، فقد استغرق التفتيش ساعات أُجبِرَ خلالها لاعبو المنتخب السنغالي على تفريغ حقائبهم بالكامل، وخلع أحذيتهم على مدرج المطار، في مشهد شديد الفجاجة يفيض عنصريّةً مَقيتةً.
كما وضعت السلطات الأميركيّة قيوداً على البعثة الإيرانيّة، فقد رفضت إقامة المنتخب الإيراني داخل الأراضي الأميركيّة، وسمحت له بالقدوم إلى الولايات المتحدة قبل يوم من موعد المباراة والمغادرة في اليوم التالي.
وأكّد وزير الخارجيّة الأميركي، ماركو روبيو، أن بلاده لا تمانع مشاركة المنتخب الإيراني، لكنها ستراقب الوفد الإيراني" عن كَثَب".
وقد وجّه رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم، مهدي تاج، انتقادات حادّة للسلطات الأميركيّة، مُتهِمَاً إيّاها بالفشل في الالتزام بالبروتوكولات الدوليّة، والمعايير المُعتمَدة من" فيفا" في التعامل مع البعثة الإيرانيّة.
لم تكن الحملة على قطر بدوافع حقوقيّة، بينما الصمت الرهيب من المنصّات الغربيّة نفسها تجاه الانتهاكات الأميركيّةوكان المشهد الأسوأ قرار السلطات الأميركيّة منع الحَكم الصومالي عمر أرتان، صاحب جائزة أفضل حَكم إفريقي لعام 2025 من الاتحاد الأفريقي، من دخول الولايات المتحدة رغم حيازته الوثائق اللازمة، وقد تعرّض لاستجواب 14 ساعة لدى وصوله إلى ميامي، قبل منعه من الدخول وترحيله إلى إسطنبول.
والطريف بحقّ كان تعليق رئيس" فيفا"، جياني إنفانتينو الذي فشل في حماية حَكم دولي اختارته" فيفا" لتحكيم مباريات في المونديال، على الواقعة، إن الاتحاد لا يتدخّل في القرارات السياديّة، وأن حكومات الدول المُستضيفة صاحبة القرار النهائي بشأن من يُسمَح لهم دخول البلاد من عدمه (! ).
يفرض علينا التباين الإعلامي الواسع بين المشهدين، في مونديالين متتاليين، أن نعقد مقارنة بين التعاطي الإعلامي الغربي مع مونديالي 2022 و2026 فقد كانت حملة ضارية من دون أيّ مبرّر في الأوّل، كانت أشبه بعاصفة من دون ريح، بينما جاء الإعراض بالصمت والتجاهل في الثاني، فلم تكن الحملة على قطر بدوافع حقوقيّة، بينما كان الصمت الرهيب من المنصّات الغربيّة نفسها تجاه الانتهاكات الأميركيّة الواسعة لكلّ اللوائح الراسخة، التي أقرّتها الاتحادات الدوليّة، وضرب بها الأميركيون في مونديال 2026 عرض الحائط تحت سمع العالم وبصره، ولم تحرّك تلك الانتهاكات الجهيرة ساكناً في الإعلام الغربي، وهو ما يكشف عن أزمة أخلاقيّة كبيرة في الفضاء الغربي تحمل ازدواجيّة معايير صارخة، واستعلاءً ثقافيّاً وحضاريّاً مرذولاً، رغم كلّ الشعارات البرّاقة التي يفيض بها الغرب ويُمطرنا بها عن بوتقة الصهر وقبول الآخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك