رغم كل ما حدث ويحدث في غزّة، تلك البقعة الضيقة المساحة والمكتظّة بالبشر والألم، فإنك لا بد أن تكتشف أن غزّة تحب الحياة، وأن هذه الأرض لا تزال ترغب في العيش، وأن الموت لم ينل منها نهائياً، حتى وهي مثخنة بالجراح، وتتلوّى ألماً ونزفاً، إلا أنها لا تزال تتشبّث بحبل نجاة، وتخبرك في كل لحظة تعتقد فيها أنها قد ماتت بأن الحياة تليق بها، ولا يمكن أن يُحكم عليها بالموت؛ لأن الموت اندثار، فلو تذكّرنا موتانا سنوات، فسوف تأتي اللحظة التي لن يبقى منهم فيها سوى صورة باهتة على جدار قديم.
تخبرك غزّة بأنها تحمل وجعها كراية؛ لأنك سوف تسمع صراخ الصبية والشباب، وحتى الصبايا الجميلات، وهن في الخيام، وفيما تئزّ الحشرات حولهن بطنين مزعج، وتلهب جلودهن الغضة بلدغاتها، فإنهن يصرخن فرحات وهن يشجعن فريقاً يلعب مباراة عالمية في كرة القدم.
وحين ترى الجموع في خيمة واسعة أُقيمت خصيصى لمشاهدة المباريات، ولكن على عجل وبأدوات بدائية، وأُضيئت أيضاً بحبال إضاءة تستمد طاقتها من بطارية سيارة قديمة، أما الشاشة التلفزيونية العملاقة التي يتابعون من خلالها المباريات، فيمكنك أن تقول إن هذه الشاشة هي الناجية الوحيدة التي جرى انتشالها من بين أثاث بيت واسع كانت تقطنه عائلة سعيدة تقضي أمسياتها أمامها في هدوء وسكينة وأمان، لكن الموت عاجلها، فلم يبقَ ناجٍ من البشر، وبقيت هذه الشاشة، بمعجزة ما، لكي تضيء وتجمّع حولها من لا يزالون يتشبثون برغبة في حياة مسترقة.
في غزّة، يجب أن تعرف أن الخيمة البالية لا تمنع أن يقبع تحتها إنسان لا يزال يحبّ لعبة كرة القدم، ويتابع أخبارها، ويُعجب بلاعب ويشجّعه حين يشارك في مباراة بعينها، وأن فقره المدقع لم يمنعه من التوجه ذات أمسية نحو مقهى مستحدث، وفيما يرتفع أزيز الطائرات المسيرة المتربصة بموتٍ محدقٍ فوق رأسه، فإن هذا الموت المحلق لم يمنعه من أن يجلس إلى طاولة يلتفّ حولها شبان وصبية، وينتظرون بشوق ولهفة صفارة الحكم المعلنة بدء المباراة.
وحين يعلو هتاف المشجّعين في ذلك المقهى، تدرك أن هذا المكان ربما يكون قد هبط عن طريق الخطأ من مركبة فضائية، وكأنه كتلة من مشاعر وآمال وأمنيات أُلقيت في مقبرة، حيث لا يشعر بها أحد ولا يلتفت إليها أحد.
هكذا هي غزّة، المحبّة لصورة من حياة حقيقية غائبة، والتي تجاهد لكي تستعيد حقها المهدور في أن تقف على قدميها، وتبني أياماً جميلة لأطفالها، وترسم غداً أكثر إشراقاً لشبابها وصباياها المنهكات الذابلات، وتبني، ولو بالأحلام، مشاهد مجتزأة من حياة عادية لأناسٍ لم يعيشوا الموت في كل لحظة، ولم تُجزّ أعناقهم كعشب زائد، ولم تتحوّل بيوتهم الدافئة ذات الأبواب والنوافذ والشرفات إلى خيام لا تسند ظهراً، ولا تستر عورة، ولا تجلب نوماً مريحاً، ولا تحفظ طعاماً من التعفّن، ولا توفر شربة ماء نظيفة لا تسبح فيها حشرة متطفلة.
غزّة التي أُعيدت إلى التراب الخام فعلياً، وبعد نحو ثلاثة أعوام من الإبادة والقصف، والتي تُركت هكذا وكأن شيئاً لم يحدث فيها، وكأن أهلها لم يُقتلوا وهم يركضون خلف كيس من الطحين، وكأنهم لم ينزحوا من بيتٍ إلى خيمة ثم إلى خيمة أخرى، وكأنهم لم يُقتلوا أشلاء، ولم يموتوا جماعاتٍ حتى فنيت عائلات ومُسحت من السجلات المدنية؛ غزّة هذه لا تزال تقول للعالم: أنا هنا، وأحب كرة القدم، وأشجع" اللعبة الحلوة"، وأرقص فرحاً حين تسقط الساحرة المستديرة في مرمى الخصم.
وفيما تفعل غزّة هذا، وهي توقن تماماً أنها تعيش أقسى مهزلة أخلاقية في العالم وعلى مر التاريخ، لأن أحلام أطفالها قد جرى تحييدها عن الإنسانية، ولأن حقها في الحياة قد مُنع عنها، حين أوغلت آلة الدمار فيها قتلاً وتنكيلاً، بعد أن استطاعت هذه الآلة تسويغ نفسها للعالم بلغة القانون بضرورة الحفاظ على الأمن والحق في الوجود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك