العربي الجديد - افتتاح مهرجان "بابل" بمشاركة مارغريت أتوود وسلمان رشدي قناه الحدث - المحادثات اللبنانية الإسرائيلية تستأنف في واشنطن التلفزيون العربي - ترتيب مجموعات كأس العالم 2026 بعد الجولة الثانية.. أين تقف المنتخبات العربية؟ الجزيرة نت - الصحة العالمية تتوقع السيطرة على فيروس "هانتا" بعد أسبوعين القدس العربي - سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة يرفض تقريرها بشأن الأطفال والنزاعات ويتهمها بالانحياز سكاي نيوز عربية - 3 ساعات بين اللبنانيين وإيبولا.. كيف يواجهون الخطر بالكونغو؟ العربي الجديد - العراق وحظوظ التأهل إلى الدور القادم في المونديال وكالة الأناضول - رئيس الإمارات وروبيو يبحثان مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية القدس العربي - أطباء السودان: وفاة أكثر من 215 محتجزا بسجن للدعم السريع في دارفور الجزيرة نت - أيباك في مأزقها الأخطر.. نفوذ يثقل اليهود الأمريكيين
عامة

الديون تأكل مسوّقيها.. جمعيات التمويل ترغم الموظفين على سداد العملاء

مصراوي
مصراوي منذ ساعتين

تفتح رسالة وردت للتوّ على تطبيق واتساب بمجموعة مغلقة خاصة بالجمعية، موجهة لها بعينها: " لازم تضغطي على الناس اللي انتي ضمناهم دول، يا إما انتي اللي مُلزمة قدامي تدفعي آخر الشهر".تبدو رسالة تهديد عاد...

تفتح رسالة وردت للتوّ على تطبيق واتساب بمجموعة مغلقة خاصة بالجمعية، موجهة لها بعينها: " لازم تضغطي على الناس اللي انتي ضمناهم دول، يا إما انتي اللي مُلزمة قدامي تدفعي آخر الشهر".

تبدو رسالة تهديد عادية إذا استقبلتها آية محمود (19 عامًا) من شخص آخر سوى مدير الجمعية العاملة، فقد دفعها الأخير منذ عملها بعد حصولها على دبلوم التجارة على توقيع كمبيالات بكل مبلغ لا بد أن تستوفيه من العملاء.

البنت التي لم تتم العقد الثاني من عمرها تنافس الوقت للحصول على وعود بالسداد من عملاء بسطاء حاصلين على قروض ضئيلة لا تُسمن ولا تُغني، أغلبهم من فلاحي قريتها التابعة لمركز ميت غمر من أصحاب المشروعات ذات العائد المتقلب الموسمي.

كان ذلك بعد نحو سنة من وقوع حبيبة أبو موسى (33 عامًا) في ذات الفخ، إلتي تعاونت مع شركتي تمويل لجلب عملاء والحصول لهم على تمويلات، دون تأكد الشركة من الملاءة المالية للمقترضين.

بحكم سكنها في حارة المكاوي المتاخمة للشوارع المتفرعة من عبده باشا والظاهر والعباسية والوايلي، اعتادت حبيبة أبو موسى عرض الاقتراض على أصحاب الصناعات في دائرتها، لا سيما وأنها تساعد والدها في تجارته البسيطة كصاحب معمل للألبان ملحقًا به محل لبيع المنتجات، وهكذا بدت للعملاء مضمونة، ولكن ما خفي كان أعظم.

كما آية محمود، وقعت حبيبة أبو موسى على إيصالات أمانة بكل القروض التي حصل عليها عملاؤها، إلا أن الشركة اعتادت على توقيعها على كل قسط بإيصال أمانة منفصل، حتى بدت مبالغ كل إيصال هزيلة ومضحكة للمطلع عليها.

إلا أن الديون التي انتهت إليها فاطمة جابر (25 عامًا) اختزلت الدنيا في عينيها وأرغمتها على حبس نفسها بحجرتها الصغيرة، بعدما ضاقت عليها الأرض بما رحبت، بينما لم يعد لها مفر سوى إلى رحيل هادئ حتى ترتاح من ملاحقة أقساط بآلاف الجنيهات.

في قريتها على أطراف الإسماعيلية، كانت فاطمة تستيقظ كل صباح للخروج إلى عملها لسنوات، بعدما التحقت بجمعية للتمويل متناهي الصغر، بوظيفة بدت مستقرة ذات دخل ثابت ومستقبل آمن، إذ يتوقف دورها على متابعة العملاء وتحصيل الأقساط ومساعدة المقترضين على إنهاء إجراءات التمويل.

وجدت فاطمة أن المسئولين عن الجمعية يطلبون مستهدفات شهرية لا تتوقف في ظل عملاء متعثرين في السداد، بينما يخفي المسئولون ورقة ضغط أخيرة؛ إيصالات أمانة وقعتها لضمان الجمعية تسديد ما أقرضته العملاء إذا تعثروا.

تحول همّ فاطمة إلى قلق مستمر؛ خشية السجن أو الوقوع في شرك القضايا التي لا تنتهي عادة إلا بالحبس.

لجأت فاطمة إلى بيع مقتنياتها الشخصية وذهب شبكتها وأجهزة زفافها وحاولت تقديم استقالتها، لكنها لم تتمكن من إنهاء أزمتها.

حبة حفظ غلال لا يتجاوز سعرها 20 جنيهًا كانت كفيلة بحل أزمتها التي لم تستطع إنهاءها ما اضطرها لإنهاء حياتها.

هيئة الرقابة المالية، تقول في بياناتها، إن عملاء التمويل متناهي الصغر بلغو نحو 3.

6 مليون عميل بنهاية 2025، بينما حصلوا على إجمالي تمويلات خلال العام بنحو 98.

1 مليار جنيه.

تواصل" مصراوي" مع هيئة الرقابة المالية، وأوضحت أن الجمعيات المانحة للتمويل متناهي الصغر إنما تخضع لإشراف الهيئة، ويبلغ عددها (شركات وجمعيات ومؤسسات أهلية) 517 جهة بنهاية 2025.

في البداية بدت المسألة عادية؛ عميل يتأخر أسبوعًا وآخر يتعثر شهرًا وثالث يطلب مهلة حتى يبيع محصولًا، ظنّت آية اقتصار دورها على التذكير بمواعيد السداد، لكنها اكتشفت تدريجيًا أن التأخير لا يخص العميل وحده.

يسألها المدير عن المتأخرات، ثم يذكرها بالكمبيالات التي تحمل توقيعها.

لا تفهم معنى الكمبيالات التي وقعتها في عُجالة، بينما الآن تعرف أن كل عميل متعثر يعني ليلة جديدة من القلق.

تتنقل بين بيوت قريتها وتطلب من أصحابها السداد، وأصبحت حافظة أعذارهم المتعلقة بضيق الرزق، لكنها مثلهم لم تستطع أن تتحول إلى محصلة ديون قاسية كما طُلب منها.

أما حبيبة، فقد قطعت شوطًا أطول حينما أُقنعت بالعمولات الجيدة مقابل كل عميل جديد، إلا أن زيادة أعداد العملاء كشف الوجه الآخر للمعادلة، إذ أصبحت الفتاة الثلاثينة مدينة 2.

8 مليون جنيه للشركتين حصيلة إيصالات الأمانة ذات المبالغ البسيطة، بعدما تلقت تهديدات من الشركتين باللجوء إلى القضاء، ورفع دعوى بكل إيصال على حدة، ما يعني قضايا لا تستطيع لها حصرًا.

يقول أحمد الشنواني العضو المنتدب لشركة" سهولة" للتمويل الاستهلاكي، إنه لم يسبق له أن صادف، خلال خبرته في قطاع التمويل، حالات تُجبر فيها الجمعيات أو الجهات المانحة للتمويل موظفيها على سداد مديونيات العملاء المتعثرين.

ويوضح الشنواني لـ" مصراوي" أن طبيعة نشاط التمويل متناهي الصغر تجعل الموظف المسئول عن منح التمويل هو نفسه المسئول في بعض الحالات عن تحصيل الأقساط، وهو ما قد يترتب عليه احتفاظه مؤقتًا بمبالغ نقدية تخص العملاء.

ويضيف أن بعض المؤسسات قد تلجأ إلى الحصول على ضمانات من الموظفين، مثل التعهدات أو غيرها من الأدوات، بهدف ضمان توريد الأموال المحصلة إلى الشركة، وليس لضمان سداد التزامات العملاء أنفسهم.

ويذكر أن هذه الضمانات، إن وُجدت، ترتبط بعمليات التحصيل النقدي فقط، بينما لا تمتد إلى مرحلة منح التمويل، موضحًا أن التمويلات تُصرف حاليًا مباشرة إلى حسابات العملاء أو بطاقاتهم الإلكترونية، بما يمنع تعامل الموظف مع الأموال المخصصة للعميل مباشرة.

بينما يقول محمد الفقي خبير التمويل الاستهلاكي، إن الجمعيات العاملة في مجال التمويل والاقراض ليست جميعها تابعة لجهة واحدة، إذ تتنوع تبعيتها بين جهات مختلفة تشمل جهاز تنمية المشروعات وهيئة الرقابة المالية ووزارة التضامن الاجتماعي بجانب جمعيات أهلية وأخرى تتبع جهات في الدولة، وهو ما يفرض ضرورة التمييز بين الأطر التنظيمية التي تحكم كل نوع من هذه الجمعيات.

ويضيف لـ" مصراوي" أن اشتراط بعض الجمعيات وجود موظف أو شخص ضامن للمبالغ المصروفة للمستفيدين ليس أمرًا مستحدثًا، بل يعد ممارسة متعارفًا عليها منذ نشأة هذه الجمعيات في تسعينيات القرن الماضي، موضحًا أن هذا النموذج كان معمولًا به منذ بدايات انتشار تلك الكيانات التمويلية.

ويشير الفقي إلى أن إنشاء وتنظيم نشاط التمويل متناهي الصغر، خاصة بعد الدراسات التي أُجريت منذ 2009، أسهم في إضفاء قدر أكبر من التنظيم على القطاع، إلا أن العديد من الجمعيات ما زالت تمارس أدوارها التقليدية في تقديم التمويل وفق الآليات المعتادة.

ووصف حصول الجمعيات على ضمانات من الموظفين بأنه" جزء من طبيعة النشاط نفسه"، معللًا ذلك بـ" ضمان وصول الأموال إلى مستحقيها وسداد الالتزامات المالية"، لافتًا إلى أن هذه الممارسة لا ترتبط بجمعية بعينها بقدر ما ترتبط بطبيعة عمل قطاع الجمعيات التمويلية بشكل عام، متسائلًا: " طيب، لو الموظف أخد الفلوس وموصّلهاش للعميل.

فين الضمان؟ ".

من جهته يقول أحمد الشنواني إن الجمعيات العاملة في مجال التمويل متناهي الصغر تخضع رقابيًا لإشراف" الرقابة المالية"، فيما قد تحصل بعض هذه الجمعيات على تمويلات من جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر لإعادة إقراضها للمستفيدين النهائيين، لافتًا إلى أن دور الجهاز يقتصر على تمويل الجمعيات والمؤسسات وليس العملاء الأفراد.

وحول تقييم مستوى الحوكمة والشفافية داخل الجمعيات، يوضح الشنواني أن" الرقابة المالية" إنما تضع أطرًا تنظيمية وقواعد تشغيلية تحكم عمل تلك الجمعيات وتتابع التزامها بها.

بينما ينبّه محمد الفقي إلى أهمية النظر في مسألة خضوع الجمعيات لرقابة هيئة الرقابة المالية، موضحًا أن بعض الجمعيات الأهلية قد لا تندرج تحت الإطار الرقابي ذاته، وهو ما يستدعي، حسب وصفه، مراعاة الفروق التنظيمية والقانونية بين أنواع الجمعيات المختلفة عند تقييم أدائها أو ممارساتها.

القانون لا يعرف إلا الورقالخبير القانوني بسام أبو جازية يقول لـ" مصراوي" إن الأصل القانوني يقضي بأن المقترض هو المسئول عن سداد القرض وليس الموظف المسوّق أو المسئول عن متابعة ملفه الائتماني، موضحًا أن عمل الموظف بشركة تمويل أو جمعية إقراض لا يجعله ضامنًا قانونيًا للعملاء المتعثرين تلقائيًا.

ويضيف أبو جازية لـ" مصراوي" أن مطالبة الموظف بسداد مديونيات العملاء لا تستند إلى أساس قانوني ما لم توقّع مستندات تنشئ التزامًا شخصيًا ومستقلًا عليها، إلا أن الخطورة القانونية تنشأ في توقيع الموظفين على تعهدات مالية شخصية لجهة العمل في دين يخص عملاء آخرين.

مشيرًا إلى أن المستندات لا تعني سلامة موقف الشركة، إذ قد ينظر القضاء إلى ظروف التوقيع وطبيعته ومدى توافر الإرادة الحرة لدى الموظف.

ويتابع أن المحكمة قد تبحث عدة أمور جوهرية، منها ما إذا كان التوقيع قد تم برضا حقيقي، أو كان شرطًا مفروضًا للحصول على الوظيفة أو الاستمرار فيها، فضلًا عن مدى إدراك الموظف لحقيقة الالتزامات التي يرتبها المستند الموقع، مشيرًا إلى أن ثبوت نية تحميلالموظفين مخاطر النشاط أو ضمان استمرارهم في العمل قد يفتح الباب أمام دفوع قانونية جادة أمام القضاء.

بينما يشير الخبير القانوني، إلى أن ما تعارف عليه القضاء هو مضمون الأوراق، مبينًا أنه تعامل مع قضايا كثيرة من ذلك النوع انتهى الأمر فيها بالحكم بحبس الموظف لخيانة الأمانة وإلزامه مدنيًا برد المبلغ لجهة العمل، مضيفًا أن معظم القضايا تنتهي إلى التسوية وديًا، باضطرار الموظف لبيع ممتلكاته لتسديد ما عليه للجهة الدائنة وإلزامه كذلك بدفع أتعاب المحامي الخصم.

وفيما يتعلق باحتمال الشبهة الجنائية في إرغام الموظفين على توقيع التزامات مالية، يوضح أبو جازية أن الأمر يتوقف على الوقائع والأدلة المتاحة، مشيرًا إلى أن حالات الإكراه أو التهديد أو استغلال حاجة العامل إلى الوظيفة أو استخدام أوراق موقعة على بياض أو تقديم بيانات غير صحيحة عند التوقيع، قد تثير مسئولية جنائية، بينما يظل الفصل في ذلك رهين التحقيقات فقط.

لم تدفع حبيبة وحدها الثمن.

اضطر شقيقها إلى بيع شقته في منطقة المرج لسداد جزء من المبالغ المطالبة بها شقيقته لإحدى الشركتين بينما تحمل بنفسه الجزء الباقي، في محاولة لإغلاق ملف لم يكن طرفًا فيه يومًا، في حين اتخذ والدها قرارًا لبيع قطعة أرض صغيرة امتلكها في دمياط الجديدة، لتتحول إلى أموال تدخل مباشرة في دائرة السداد للشركة الأخرى.

بينما في محكمة ميت غمر الجزئية، تنتظر آية برفقة والدتها ومحاميها" الرول" لحضور الدعوى المدنية المقامة ضدها من الجمعية.

علمت من محاميها أن القضايا المدنية قد تستغرق سنوات، ولذلك صار الوقت لها جزءًا من المعركة، في أمل للوصول إلى تسوية أو في العثور على مخرج يخفف من عبء المبالغ المطالب بها، أو النجاح في حصول على قرض لسداد ديونها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك