كلما طال العنوان، كلما كان محدداً بعيداً في مضمونه عن التعميم.
النظام المقصود في المقال هو النظام السياسي الحاكم، وصناعته ليست يسيرة، الا اذا كان الصانع لا يريد أن يقدم نظاماً مستمراً، فثمة من لا يفصل بين نفسه والنظام، بل يرى أنه متفوق على النظام، وأن النظام من بعده يكون أو لا يكون.
الصّناع كثيرون، لكن المهرة هم الأقل عدداً، وأسوأ الصنّاع هم الذين يجبرون رعاياهم على المقارنة والترحم على سلف النظام ومقت الخلف، والرفض الداخلي الشعبي لأي نظام يجعله كمن يجلس على كرسي برجلين لا بأربعة.
ثمة ارتباط وقائي ومناعي يغذي النظام إن كان مرْضياً عليه من رعاياه، فحين يلمس المجتمع في نظامه حيوية منتجة تقدم أفضل الممكن لمجريات الحياة وتحرياً للعدالة، فذلك أمر يقلل فرص التحريض على النظام، الفرص التي يتحرك لاستغلالها الراغبون بالحكم بعيداً عن مشروع خدمة للمجتمع أفضل من مشروع النظام القائم.
وقد تكرر كثيراً فشل مجموعات سعت لصناعة نظامها على حساب نظام مقبول داخلياً، مثلما تكررت كثيراً نجاحات صناع انظمة جديدة سيئة المشاريع على حساب أنظمة حاكمة سيئة الحكم.
اصلاح نظام الحكم ليس خياراً احتياطياً، اذ أن الاصلاح هو مطلب حاضر دومًا مثل الظل للضوء، والاصلاح ليس يسيراً ويزداد عسراً كلما كان في السلطة من يتعمد إدامة الإفساد أو استحداث إفساد أو إدامة إفساد مسكوت عنه.
ولطالما زالت أنظمة أو تهرّت لتزول بعد أن قبلت حقن مفاصلها بمضادات تقتل المساواة والعدالة وكريم الحياة للرعايا.
ومع أن تغيير النظام يكون احياناً كثيراً قضية مطلوبة خارجية أو داخلياً أو كليهما- مثل انموذج العراق قبل 2003- ومع الفصل بين أحقية مصالح الداخل الوطني عندما يصل لمرحلة تحتاج عن وعي لتغيير النظام عن معيار المصلحة الخارجية التي تريد إزالة نظام ما، فإن من الصعوبة بمكان تخيل أن يتمكن الخارج بنسبة كاملة من تحقيق مراده إن كان الخيار الداخلي الشعبي بأغلبية واعية يمنع تحقق هدف التغيير الخارجي.
ثمة نماذج حكم زالت ووصل بديل بمستوى الطموح للنهوض بالدولة، وثمة نماذج كانت بديلاً سيئاً للأساسي المزال.
لن يقبل معيار القبول الداخلي لا بتلميعات سيرة النضال ولا سردها إن كانت نتائج عمل المناضل أو المجاهد أو المستقل أياً كان انتماؤه نتائج بمثل نتائج السابق أو اسوأ.
في الحياة العملية، الناس تنتظر حقوقها وتطمح لما هو أبعد، أما أن تفقد أبسط الحقوق فذلك مدعاة لا للمقارنة مع السابق المذموم، بل للعمل على إزالة من يدعي أنه أفضل من سابقه لمّا عمل على إحداث الاسوأ.
يبدو أن كثيراً من ملفات حيوية في الحكم لم تتعرض للاهمال فقط، بل أن الوقائع بات كثيراً من مخجل الدفاع عنه، إذ تم تفريخ ممارسات لا ترتقي لا لمتطلبات شغل الدور السياسي ولا الايفاء بالتكاليف الادارية.
هذه الأمور مرتبطة بزوابع اعلامية تكذب وتسكت وتحتلق ما يدلّس على الجمهور الداخلي ذي الأغلبية، وعين الوقت فثمة عدم ثقة خارجية كبيرة.
ذلك أن الوقائع والمعطيات والأدلة لا تثبت تخبطاً في الأداء قائماً على قلة خبرة- وهي قضية لا تشفع للحكم- بل تعمّداً أقرب ما يكون فاعله معولاً على قيمة لا وجود لها في الواقع اسمها الحظ بمعناه المستمد من التعويل على مجهول يخلط الأماني بالمنطق.
ثمة نماذج قليلة لم تفلح لا بصناعة نظام ولا تمكنت من اصلاحه ولا بديله لو جاء سيكون يسيراً عليه أن يبدأ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك