عمان- ثمة معارض تُشاهد، وأخرى تقرأ، لكن تجربة الفنان التشكيلي فتحي العارف تنتمي إلى نوع ثالث؛ فهي تعاش.
فمنذ اللحظة الأولى للدخول إلى فضاء معرضه الشخصي في جاليري إطلالة اللويبدة، يدرك المتلقي أنه لا يقف أمام مجموعة من البورتريهات، بل أمام أرشيف إنساني كثيف، تتجاور فيه الذاكرة مع الفلسفة، والتاريخ مع المشاعر، واللون مع علم النفس البصري، لتتحول الوجوه إلى كائنات حية تراقبنا بقدر ما نراقبها.
وقد افتتح المعرض رئيس الوزراء الأسبق والعين الدكتور عمر الرزاز بحضور نخبة من الفنانين التشكيليين والنقاد والإعلاميين والمثقفين، في أمسية أكدت المكانة المتقدمة التي بات يحتلها الفن التشكيلي الأردني، والدور الذي تؤديه المعارض النوعية في بناء حوار ثقافي يتجاوز حدود المشاهدة إلى فضاء التفكير والتأويل.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في مهارة الرسم وحدها، بل في العلاقة النفسية والوجودية التي نسجها الفنان مع وجوهه على امتداد سنوات طويلة.
فالعارف لا يعامل هذه الوجوه بصفتها موضوعات للرسم، بل يعدها رفاق رحلة، وشخوصاً عاشت معه عزلة المرسم، وكانت أنيسه في ساعات العمل الطويلة، حتى غدت جزءاً من ذاكرته الشخصية.
ويقول الفنان فتحي إن هذه الوجوه لم تكن يوماً مجرد أشكال يرسمها بفرشاة وألوان، بل كانت شخصيات يحاورها، ويخاصمها، ويصالحها، ويعود إليها مرة بعد أخرى.
كان يرسم الوجه تصويرياً، ثم يهدمه، ثم يعيد بناءه، ويجرده، ويغمره بطبقات جديدة من اللون، لا بحثاً عن الشكل، بل بحثاً عن جوهر الإنسان الكامن خلف الملامح.
ولذلك كانت كل مرحلة تشكيلية تمثل حواراً جديداً، وكانت كل طبقة لونية تمثل زمناً جديداً من العلاقة بين الفنان وشخصياته.
ولهذا تبدو أعماله وكأنها ترفض الاكتمال السريع.
فاللوحة عند العارف لا تنجز دفعة واحدة، بل تنضج كما ينضج الإنسان، وتتغير كما تتغير الذاكرة، حتى تبلغ لحظة يشعر فيها الفنان أن الشخصية نفسها قد قبلت أن تخرج إلى النور.
ومع ذلك، فإن تغير اللون والملمس والبناء لا يمحو هوية صاحب الوجه، بل يعمقها ويكشف طبقاتها الداخلية.
ومن هنا، لم يكن اختيار شخصيات مثل عرار، ومؤنس الرزاز، وبروس لي، وغيرهم، اختياراً توثيقياً أو تاريخياً، وإنما اختياراً وجودياً.
فهذه الشخصيات، كما يقول الفنان، لم تغادره يوماً، لأنها تمثل نماذج للحرية، والمقاومة، والشجاعة، والفكر، والإبداع.
لقد كانت بالنسبة إليه مرايا يرى فيها أجزاءً من ذاته، ولذلك ظل يحاورها لسنوات طويلة حتى استطاع أن يمنحها حياة جديدة داخل اللوحة.
وتقوم هذه التجربة على فكرة سيكولوجية عميقة؛ فالوجه هنا لا يقدم هوية الشخص بقدر ما يكشف تضاريسه النفسية.
فالعيون ليست عناصر تشريحية، بل مراكز للبوح، والملامح ليست حدوداً خارجية، بل خرائط للخبرة الإنسانية، فيما تتحول ضربات الفرشاة إلى أثر زمني يسجل ما مر به الوجه من صراع وتحول وانكسار ونهوض.
وفي أثناء تجواله بين الأعمال، أبدى الدكتور عمر الرزاز إعجابه العميق بهذه التجربة، مؤكداً أن كل وجه يفتح باباً إلى عالم مختلف، وأن الانتقال من لوحة إلى أخرى يشبه تقليب صفحات روايات متعددة، لكل واحدة منها شخصيتها وإيقاعها وسرها الخاص.
وأشار إلى أن أكثر ما يلفت الانتباه هو الجرأة التي حقق بها الفنان توازناً دقيقاً بين التصوير والتجريد، بحيث لا يستسلم لأي منهما، بل يبني منطقة بصرية ثالثة، تترك المشاهد أمام أسئلة مفتوحة لا أمام أجوبة جاهزة.
إن هذه المنطقة المعلقة بين الواقع والتجريد هي ما يمنح أعمال فتحي العارف خصوصيتها.
فهي لا تقدم الحقيقة كاملة، ولا تخفيها تماماً، بل تترك للمشاهد مسؤولية استكمالها، وكأن كل لوحة كتاب مفتوح، لا تقرأ صفحاته بالعين وحدها، بل بالذاكرة والوجدان والخبرة الشخصية.
وفي قراءة نقدية لهذه التجربة، قال الفنان والناقد التشكيلي كمال أبو حلاوة، إن المشهد التشكيلي الأردني كان بحاجة إلى معرض بهذه الكثافة الفكرية والجمالية، لأن أعمال فتحي العارف لا تكتفي بإمتاع العين، بل تستفز العقل، وتدفع المتلقي إلى الغوص في طبقاتها المتعددة بحثاً عن ذاته.
وأضاف أن هذه الوجوه تتحول إلى مرايا إنسانية؛ فكل متلق يرى نفسه في أحدها، ويجد في نظراتها شيئاً من أسئلته، أو عتابه، أو انتظاره، أو أحلامه.
جانب من أعمال التشكيلي فتحي العارف-(من المصدر).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك