عندما كنت صغيرة، كنت أسمع أمي تردد دائمًا: “الله لا يشغلنا بأحدٍ من خلقك.
” كانت تقولها ببساطة، ثم تمضي في يومها، ولم أكن أدرك حينها أن تلك الكلمات ليست مجرد دعاء، بل منهج حياة كامل.
كبرنا، وانطلقنا في هذه الحياة، واختلطنا بالناس، ورأينا من قصصهم ما يفرح وما يؤلم، حتى بدأت أفهم لماذا كانت أمي تردد هذا الدعاء.
فقد أدركت أن أكثر ما يستنزف الإنسان ليس العمل، ولا التعب، بل الانشغال الدائم بالآخرين؛ من فعل؟ ومن قال؟ ومن ذهب؟ ومن عاد؟ ولماذا نجح؟ ولماذا تعثر؟ هناك أناس يعيشون حياتين في وقت واحد؛ حياتهم، وحياة غيرهم.
يراقبون التفاصيل، ويتتبعون الأخبار، ويقيسون أنفسهم بالناس في كل خطوة، حتى تضيع منهم أعمارهم وهم يظنون أنهم يعيشون، بينما هم في الحقيقة يراقبون حياة الآخرين أكثر مما يعيشون حياتهم.
الإنسان الذي ينشغل بنفسه يجد دائمًا ما يكفيه من الأهداف، والأحلام، والعمل، وإصلاح الذات.
أما من ينشغل بالناس، فلن ينتهي من المقارنات، ولن يعرف طعم الطمأنينة، لأن عينه معلقة بما في أيدي الآخرين، لا بما بين يديه.
ليس المطلوب أن ننعزل عن المجتمع، ولا أن نتجاهل الناس، فالحياة تقوم على المحبة والتعاون، لكن الفرق كبير بين الاهتمام بالناس، وبين الانشغال بهم.
الاهتمام خُلق، أما الانشغال فهو استنزاف للعمر وراحة القلب.
واليوم، كلما رأيت ضجيج مواقع التواصل، وكثرة التدخل في خصوصيات الآخرين، تذكرت دعاء أمي، وابتسمت.
فقد كانت تعلم أن راحة الإنسان تبدأ عندما يلتفت إلى نفسه، ويزرع وقته فيما ينفعه، ويترك الخلق للخالق.
رحم الله الأمهات على حكمتهن، التي لا نفهمها إلا بعد أن نمضي سنوات في هذه الحياة.
واليوم أردد دعاء أمي بكل يقين: اللهم لا تشغلنا بأحدٍ من خلقك، واشغلنا بأنفسنا، وأصلح قلوبنا، واجعل أعمارنا عامرة بما يرضيك، فما أجمل الحياة حين يعيشها الإنسان لنفسه، ويترك للناس حياتهم، وللقلوب سلامها.
صوت الحجاز أول جريدة سعودية أسسها: محمد صالح نصيف في 1350/11/27 هـ الموافق 3 أبريل 1932 ميلادي.
وعاودت الصدور باسم (البلاد السعودية) في 1365/4/1 هـ 1946/3/4 م (البلاد السعودية/عرفات) اندمجتا بمسمى البلاد في 1378/7/16 هـ – 1959/1/26 م.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك