يمكن اعتبار مكتبة" فينيستريس فلسطين" الإسبانية، التي افتُتحت في منتصف مايو/ أيار الماضي في مدينة برشلونة، المثال الأكثر تعبيراً عن موقف قطاعات واسعة من المجتمع الإسباني تجاه القضية الفلسطينية.
فالتحركات السياسية للحكومة الإسبانية، وكذلك مواقف الأحزاب اليسارية والحركات الشعبية، باتت معروفة، إلا أننا هنا أمام مستوى مختلف من الاحتضان الثقافي والمجتمعي، والاقتصادي أيضاً، وهو ما يكشف أن حضور القضية الفلسطينية في الوعي الأوروبي أوسع مما تعكسه التغطيات المعتادة في الإعلام العربي.
تعود المبادرة إلى مجموعة فينيستريس (Finestres)، إحدى أبرز شبكات المكتبات المستقلة في إسبانيا.
وكانت المجموعة قد خصصت سابقاً ركناً للكتب الفلسطينية داخل مكتبتها الرئيسة، قبل أن يتعرض هذا الركن لاعتداء تخريبي ذي دوافع عنصرية، إذ أُتلف عدد من الكتب المتعلقة بفلسطين.
غير أن الحادثة لم تدفع القائمين على المشروع إلى التراجع، بل إلى اتخاذ خطوة أكثر جرأة، تمثلت في إنشاء مكتبة مستقلة مكرسة بالكامل لفلسطين، بما تحمله من أدب، وفكر، وتاريخ، وفنون.
ولم يكن لهذا المشروع أن يرى النور لولا الدعم الذي وفره رجل الأعمال الإسباني سيرجي فيرير-سالات، رئيس مجموعة Ferrer الدوائية، إحدى أكبر الشركات الدوائية في إسبانيا، ومؤسس مؤسسة Finestres الثقافية.
ويُعرف فيرير-سالات بدعمه المبادرات الأدبية والثقافية؛ إذ موّل خلال السنوات الأخيرة إنشاء مكتبات مستقلة، وأطلق جوائز أدبية وإقامات للكتّاب، قبل أن يضيف إلى هذه المشاريع مكتبة متخصصة بالكامل في الثقافة الفلسطينية.
تنظم لقاءات مع كتاب وباحثين، وندوات فكرية، ونوادي قراءةولم يكتفِ فيرير-سالات بالدعم المالي للمشروع، بل حرص على إعلان موقفه الشخصي بوضوح خلال حفل الافتتاح، إذ ظهر مرتدياً قميصاً كُتب عليه بالإنكليزية: " Palestinians Will Be Free" (" سيكون الفلسطينيون أحراراً" ).
وفي كلمته، أوضح أن إنشاء المكتبة جاء انطلاقاً من قناعته بأن الثقافة الفلسطينية لا تحظى بالحضور الذي تستحقه في أوروبا، وأن التعريف بها يمثل مساهمة في تصحيح هذا الخلل.
وفي سياق حديثه، أشار فيرير-سالات إلى أن أحداً لم يقم خارج فلسطين بفتح مكتبة مكرسة لقضيتها، وعزا ذلك إلى ضعف الوعي بحجم المأساة الفلسطينية، ولأن الرواية الصهيونية نجحت في الهيمنة على السردية العامة بفضل منظومة سياسية وإعلامية قوية، كما اعتبر أن التضامن مع الفلسطينيين يعني" الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ".
تضم المكتبة نحو أربعة آلاف عنوان باللغات: العربية، والإسبانية، والكتالونية، والإنكليزية، والفرنسية، والإيطالية، تغطي مناحي الثقافة والفن كافة، إلى جانب كتب الأطفال، والطبخ، والتراث الشعبي الفلسطيني، من أجل تقديم فلسطين بوصفها حضارة وثقافة حية، وليس موضوعاً سياسياً فحسب.
وحملت هوية المكان بصمة الفنان والمعماري الإسباني من أصل فلسطيني مالك مراد ماتيو، الذي صمم فضاءات المكتبة وواجهاتها الداخلية مستلهماً عناصرها البصرية من البيئة الفلسطينية.
وعلى الباب الرئيس رسم مفتاحاً كبيراً، وهو أحد أكثر الرموز حضوراً في الذاكرة الفلسطينية، إذ يجسد مفاتيح البيوت التي احتفظ بها اللاجئون منذ نكبة عام 1948 بوصفها رمزاً لحق العودة.
كما تضم الواجهة والزخارف الداخلية عناصر مستوحاة من الكوفية الفلسطينية وألوانها، بما يحوّل المكان إلى مساحة تستحضر الذاكرة والهوية من خلال الفن والتصميم.
رسالة المكتبة كما يقول المشرفون عليها لا تنحصر في بيع الكتب، بل تؤدي دور مركز ثقافي دائم ينظم لقاءات مع كتاب وباحثين، وندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، ونوادي قراءة، وحفلات توقيع للإصدارات الجديدة، ويشارك في إعداد هذا البرنامج وإدارته فريق مشترك من المثقفين الفلسطينيين والإسبان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك