لا يمثل السقوط الأخلاقي لبعض الرموز الدينية، وعلى رأسهم من تصدروا المشهد الإفتائي في سوريا، مجرد انحراف فردي أو زلة لسان، بل هو تجل صارخ لأزمة بنيوية في “فقه السلطة”، حيث تحول العالم من “حارس للقيم” إلى “مشرعن للدمار”.
إن المشهد الذي نراه اليوم، حيث يمثل من كانوا يمنحون الغطاء الديني لميليشيات عابرة للحدود وقوى غازية أمام استحقاق الحقيقة، يعيد فتح الملفات المسكوت عنها حول “خيانة الأمانة المعرفية”، وانحياز الفقيه إلى مذابح الطغاة بدلاً من الانحياز إلى آلام المستضعفين.
خيانة الأمانة وتوظيف النصإن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس “الإلحاد” أو “الجهل”، بل “التدليس المقدس”، أي استخدام النص الديني أداة هندسية لهدم الأوطان وتبرير الإبادة.
لقد نسي هؤلاء المفتون أن الوظيفة الجوهرية للفقيه هي أن يكون “لسان الحق” لا “صدى السلطان”.
وحين أباح “حسون” ومن على شاكلته دماء السوريين، وشرعنوا أفعال الروس والميليشيات الطائفية، لم يكونوا يمارسون اجتهاداً، بل كانوا يمارسون “القتل المعنوي” قبل القتل المادي، فكل رصاصة انطلقت في صدور السوريين كانت تستند إلى غطاء شرعي مزيف، صنعته أيد كان يفترض بها أن تحفظ دماء المسلمين وأعراضهم، لا أن تهدرها على مذبح الولاءات السياسية.
ابن السقا.
لعنة العلم المستكبرتظل قصة “ابن السقا” في تاريخنا شاهدة على أن “العلم”، إذا تجرد من التقوى والخشية، صار وبالاً على صاحبه.
ولعل مأساة الوقوع في كمين الشهوات والأهواء، لمن لم يحصن نفسه بحصن منيع من محبة الله ورسوله، تتجلى في قصة ابن السقا، وهو فقيه من أعيان القرن الخامس الهجري، إذ كان واحداً من ثلاثة قصدوا زيارة العالم الرباني الجليل الشيخ يوسف الهمذاني، وكان الثاني ابن عصرون، والثالث الشيخ عبد القادر الجيلاني.
قال ابن السقا لصاحبيه، وهما في الطريق إلى زيارة الشيخ يوسف الهمذاني: إن قصدي من زيارة الشيخ أن أمتحنه في علوم الشريعة، وأن أبين جهله للناس المغترين به.
وقال ابن عصرون: أما أنا فسأطلب منه الدعاء لي بالغنى ومزيد من المال.
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: أما أنا فقد قيل لي عن صلاحه ومناقبه، وسأزوره لأتبرك به، وأسأله الدعاء لي.
ولما دخلوا عليه، نظر إلى ابن السقا قائلاً: أرى الجدال والكفر بين عينيك، لعلك جئت تسألني عن كذا وكذا، وذكر أموراً كان ابن السقا قد أضمر العزم على أن يسأل الشيخ عنها، وأجابه عنها.
ثم نظر إلى ابن عصرون قائلاً: سيأتيك المال إلى هنا، وأشار إلى أعلى صدره، ثم خاطب الشيخ عبد القادر الجيلاني قائلاً: قدمك على عنق كل أولياء زمانك.
ثم إن عاقبة كل من ابن السقا وابن عصرون كانت كما قال الشيخ، فقد رزق ابن عصرون من المال ما جعله من أغنى الناس في عصره، وقبره في دمشق في المنطقة التي تسمى اليوم “العصرونية”.
أما ابن السقا، فقد أوفده الخليفة إلى بعض ملوك الفرنجة ليناقش النصارى هناك في شؤون الدين، بدعوة من الملك ورغبة منه في ذلك.
وكان ابن السقا يحفظ القرآن، معتداً بعلومه ومعارفه الدينية في العقيدة والفقه، ومشهوداً له بذلك.
ونزل ضيفاً مكرماً على الملك نفسه، فأوعز الملك إلى ابنته أن تتزين وأن تقوم على خدمته وإكرامه، فافتتن بها وطلب الزواج منها، فامتنعوا عن تزويجها منه إلا أن يتنصر، فتنصر، وتم إعلان ذلك في الأوساط، ثم إنهم أنهوا استضافته وأهملوا شأنه وأبوا أن يزوجوه منها.
يقول ابن العماد في “شذرات الذهب”: ثم إنه رؤي في القسطنطينية مريضاً، وبيده مروحة خلقة يذب بها الذباب عن وجهه، فسئل عن القرآن فقال إنه نسيه، ولا يذكر منه إلا آية واحدة، وهي: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 2]، وقضى نحبه متنصراً، مرمياً في أسواق القسطنطينية.
فهذه صورة لضحايا الاعتداد بالعلم والدراية والقدرة على المجادلة والنقاش، حين يكون القلب وعاء لمحبة الدنيا، متمثلة في متاعها ومشتهياتها، بدلاً من أن يكون وعاء لمحبة الله ومحبة رسوله.
في القفص.
العدالة التي لا تمهلإن وجود هؤلاء اليوم في قفص الاتهام درس بليغ في “فلسفة الخواتيم”.
فالمؤسسة الدينية التي شيدت على أنقاض جماجم السوريين لا يمكن لها أن تصمد طويلاً.
لقد أثبت هؤلاء أنهم كانوا مجرد “أدوات وظيفية”، وحين انتهت صلاحيتهم، لفظهم التاريخ، وحين كشفت أوراقهم، عراهم الواقع.
إن قفص الاتهام هذا رمز لـ “سقوط الصنم الفكري” الذي كان أصحابه يظنون أنهم في مأمن من المحاسبة، متناسين أن دماء الأبرياء لا تضيع، وأن صرخات الثكالى وأنين الجرحى هي التي تلاحق “مفتي القتل” في يقظته ومنامه.
لا بد من التمييز بين “الدين” بوصفه قيمة عليا، و”المتدين المزيف” الذي اتخذ الدين تجارة يربح بها في أسواق السياسة.
إن إصلاح المؤسسة الدينية يتطلب اليوم أكثر من مجرد تغيير الأشخاص؛ يتطلب “إعادة تعريف” العلاقة بين العالم والظالم.
فالفقيه الذي لا يملك القدرة على أن يقول “لا” في وجه الطغيان، ليس فقيهاً، بل “مستشار سلطوي” بعباءة دينية.
إن التاريخ يطوي صفحاتهم اليوم، ليس فقط لأنهم سقطوا سياسياً، بل لأنهم سقطوا أخلاقياً قبل ذلك بكثير.
وتبقى العبرة لكل من يعتلي المنابر: أن تكون عالماً للحق خير لك من أن تكون “خادماً للعرش”، وأن تخرج من الدنيا بقلب سليم خير لك من أن تعيش عمراً في قصور الظالمين، ثم تنتهي في قفص يلفظه التاريخ ويلعنه الضمير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك