يعدّ العقل (الجهاز العصبي المركزي) للإنسان من أكبر معجزات الكون، فهو يمثّل منظومة معقّدة من الوظائف المعرفية، كالتفكير، والوعي، والإدراك، والذاكرة، والتي من خلالها تتم معالجة البيانات لتخرج على شكل معلومات، بهذه المعالجة يفهم الفرد الكون من حوله، ويتخذ قراراته، ويسعى إلى تحقيق ذاته، ويترتب على هذه المنظومة إعمار الأرض وتطويع ما فيها لخدمته، وبهذا العقل استحق الإنسان التكريم، ويقدّر الباحثون سعة الذاكرة البشرية وخلايا المعالجة في الجهاز العصبي المركزي (2.
5) مليون جيجابايت مع قدرة على التكيّف والمرونة، أمّا الحواسيب المعاصرة فائقة السرعة فسعتها تصل لعشرات الجيجابايت فقط.
اضافة اعلانوتشكّل الذاكرة جزءًا مهما من العقل بأقسامها، الذاكرة الحسية وتخزن المعلومات لمدة ثوان أو دقائق معدودة، والذاكرة قصيرة الأمد: ويطلق عليها أيضا الذاكرة العاملة كلّ ما يحتاجه الفرد للتعامل خلال يومه، والذاكرة طويلة الأمد: وتخزّن فيها المعلومات الأساسية لمدة طويلة جدا.
يعمل العقل الإنساني ضمن ثلاث وحدات رئيسة: وحدة الإدخال، وحدة المعالجة، ووحدة الإخراج، وتعتمد جودة المخرجات على جودة المدخلات ووضوحها ودقتها وتحديدها، ويصنف العقل المدخلات ويقوم بترميزها في مستودع الذكريات بآلية فائقة التعقيد، يتم تخزين المعلومات على شكل شبكات من الخلايا العصبية المترابطة، وليس في ملفات ثابتة، وتزداد قوّة الروابط العصبية بين الخلايا كلما تمّ استخدام المعلومات، ويلعب النوم دورا حاسما في نقل الذكريات المؤقتة إلى الذاكرة طويلة الأمد، تنتاب الذاكرة في بعض الأحيان حالات بمستوياتها المختلفة من النسيان الطبيعي تكون مؤقتة تعرف بظاهرة" طرف اللسان ليثولوجيكا (Lethologica) وهي عدم القدرة المؤقتة على تذكّر أو استدعاء كلمة أو اسم معين رغم اليقين التام بوجودها في الذكرة وتمّ استخدامها عدّة مرّات، وتعدّ شائعة جدا وذلك بسبب خلل في استرجاع المعلومات وليس في عملية التخزين، يقابل هذا المفهوم مفهوم مرادف آخر أطلق عليه علماء النفس الديسنوميا (Dysnomia) حين يفشل الدماغ مؤقتا في الوصول إلى هذه المعلومة في الذاكرة رغم تذكّر معناها أو حتى الحرف الأول منها، بسبب التوتر، أو الضغط النفسي، أو القلق، أو بسبب وجود معلومات متشابهة في النطق تتنافس مع المعلومة المطلوب استدعاؤها، يبذل العقل مجهودا لتذكّر تلك المعلومة، وقد يسعف الفرد الحظ بتذكرها في وقتها، ولكن في أغلب الأحيان يتم تذكّرها بعد فوات الأوان، ويستخدم بعض الأفراد آليات معيّنة لتذكّر تلك المعلومة وتجاوز الموقف من خلال التوقّف عن التفكير المباشر بالمعلومة، أو استخدام الترتيب الأبجدي للحروف، واستحضار السياق الذي تمّ حفظ واستخدام تلك المعلومة من خلاله، ولا تعدّ تلك الظاهرة دليلا على ضعف الذاكرة.
في كثير من الأحيان يتجاهل الفرد استدعاء تلك المعلومة التي غابت عن باله، ويفقد الاهتمام بها ويتجاهلها، فإذا بها وفي لحظة ما تتراءى له واضحة بكل تفاصيلها دون عناء في موقف لا علاقة له بها وقد يكون في أثناء نومه، أو في وقت طعامه، أو وقت انشغاله بأموره الحياتية الأخرى.
ويسأل نفسه لماذا الآن وما الدافع الذي دعاها للظهور فجأة بعد فوات الأوان في أغلب الأحيان؟ قد نجد الإجابة لدى الطب العصبي حيث يخبرنا بأنّ هناك ما يسمى بالعصب الحائر أو العصب المبهم، هو العصب العاشر من الأعصاب القحفية، سمي بالحائر لأنه ينشأ من جذع الدماغ ويمتد (ليتجول) ويغذي معظم الأعضاء الحيوية، ويعدّ المحرك الأساسي للجهاز العصبي اللاإرادي ويعمل في حالة (طرف اللسان) كأمين مستودع يبحث عن المعلومة ضمن تصنيفها في الذاكرة، أثبتت الدراسات أن تحفيز العصب الحائر يزيد من مستويات الناقل العصبي النورابينفرين (Norepinephrine)، والذي يساعد في استجابات الجسم للضغط النفسي والتوتّر، مما يعزّز قدرة الدماغ على التركيز واستدعاء المعلومة، من هنا يمكن القول إن العصب الحائر ينشط الذاكرة ويحفزها للبحث عن المعلومة في حال تعرّض الفرد لظاهرة طرف اللسان، وقد يستغرق البحث وقتا قد يقصر أو يطول بحسب تصنيف المعلومة في الذاكرة.
تدريبات السيطرة على ظاهرة طرف اللسان: محاولة وصف المعلومة (اسم، مكان، شيء) بصريا أو من خلال وظيفته وترميز أي تحويل الأسماء والكلمات والمفاهيم المجرّدة إلى صور ذهنية مبالغ فيها أو مضحكة، حثّ الذاكرة على تذكّر الحرف الأول من المعلومة، محاولة الربط بين المعلومة ومعلومات أخرى تتشابه معها بنفس الوظيفة ربطا بصريا تخيليا، وتقطيع الرقم أو الاسم أو المعلومة إلى أجزاء مثل استخدام الحروف الأولى من كل كلمة لتشكيل كلمة ذات معنى مختصرة مثل: الاختصارات في اللغة الإنجليزية لفرط الحركة وعجز الانتباه ADHD وغيره، وحروف القلقلة في التجويد تم اختصارها إلى: قطب جد.
أو تحويل المعلومة إلى أغنية سهلة مثل حفظ حروف الجر: من إلى عن على أحرف الجر.
وفي السياق الأكاديمي يكون لهذه الظاهرة حضور واضح عند تقديم الاختبارات، وتتناسب طرديا مع حافز الاختبار، ويقع كثير من الطلبة دون استثناء فريسة لهذه الظاهرة وتصنّف في هذا الموقف ضمن اضطراب قلق الاختبار، وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومريحة في فترة الاختبارات هي السبيل الناجح لتفادي التوتر وضعف الثقة بالنفس سواء في المنزل أو المدرسة، بالإضافة لاستخدام أساليب تقوية الذاكرة: الانتباه، والربط، والترميز، وإنشاء صور ذهنية، والتكرار، والنوم الجيد، وحث الوالدين على التخفيف من توقعاتهم بعدم مطالبة الابن بالدرجة الكاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك