عمان- في الوقت الذي ينشر فيه أحد الأشخاص صورة أو مقطع فيديو، أو حتى عبارة تتحدث عن فصل الصيف قديما بذكرياته الجميلة العالقة وببساطته، تنطلق تعليقات تتغنى بالحنين إلى تفاصيل الصيف، بتعاليله وحصاده وأهازيج الفرح المرتبطة قديما بـأعراس الصيف.
اضافة اعلانوبالرغم من أن فصل الصيف هو فصل الذكريات والجمعات العائلية، التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعطلة الصيفية، حيث يجتمع الأبناء من طلبة الجامعات والمدارس ويعود المغتربون، يحرص الناس على إقامة المناسبات في هذا الفصل، كونها كانت تقام في البيوت الصغيرة، مع بناء بيوت الشعر في المرج أو الحاكورة.
يأتي الصيف في كل عام محملا بالتوقعات الجميلة، فهو مرتبط في أذهان الناس بالأفراح، ومهما كان الوضع الاقتصادي للعائلة، فلا بد أن تجد فرصة لها ولأطفالها لاغتنام تلك العطلة وإقامة أنشطة صيفية، ما تزال ذكرياتها تلوح في أفق الحنين، ما بين رحلة عائلية وتعليلة وألعاب تقليدية قديمة، أو تلك الأرجوحة التي كانت تعلقها الأم على الشجرة الضخمة أمام البيت، لتكون ترفيها يجمع أطفال الحي أحيانا.
ماهر شكري، ما إن رأى منشورا عن ذكريات الصيف القديمة ترافقه أغنية تذكر بتلك المرحلة الجميلة، حتى علق بالقول:كانت أيام زمان مليئة بالبساطة والخير والبركة، أيام الحصاد والحصّادة، والحلّة والخرجة والجيابة والنادر، حين كان الناس يجتمعون ويتعاونون بروح المحبة والتكافل.
لقد كانت النيات صافية، والقلوب طيبة، وتفاصيل الحياة اليومية تحمل دفئا وبهجة ما تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم.
أما عبد الكريم عياد، فقد عبّر عن حنينه وذكرياته لأيام الصيف الجميلة خلال فترة الثمانينيات التي عايشها، وما تزال ذكراها وراحة الصيف فيها - على حد تعبيره -، فيقول: عندما يرحل الأجداد، ترحل معهم الكثير من التفاصيل الجميلة والعادات والذكريات التي شكلت جزءا من الحياة القديمة.
ويضيف عياد: بالرغم أنني لم أعش ذلك الزمن، فإنني أعشق كل ما هو قديم، وأشتاق إلى تلك الأيام بما حملته من بساطة ودفء وأصالة.
رحم الله أجدادنا وأسكنهم فسيح جناته، وجزاهم خيرا على ما تركوه لنا من ذكريات وقيم لا تُنسى.
الحنين لأيام الطفولة والبساطةواللافت في ذكريات الصيف أنها مشتركة بين الجميع من مختلف الدول، فنجد من يعلّق على منشورات ذكريات الصيف من الأردن ومصر وسورية والعراق ودول الخليج، وكأنها التفاصيل ذاتها، ما بين طقوس الأهل المرتبطة بالصيف، والألعاب نفسها، والمشاعر التي ما يزال الجميع يتحدث عنها بشغف وحب وحنين.
تفاصيل الحصاد، والجلوس في بيت الجد، وجلسة ما قبل المغرب بين فتيات الحي، واللعب بالكرة، والمسابقات الكروية على مستوى القرية والحي، وغيرها الكثير من التفاصيل، هي ذاتها في كل مكان، لتبقى ذكريات الصيف ملاذا لمن يرغب في البحث عن مشاعر الحنين الصادقة.
تقول غادة سعد: كانت جداتنا يستخدمن ما يعرف بـصندوق الثلج لحفظ الطعام قبل ظهور الثلاجات الحديثة، وكان يتكون من طبقتين؛ علوية يُوضع فيها خزان معدني يُملأ بالماء ويُغطى بنصف قالب ثلج للحفاظ على اللحوم والأطعمة من التلف، فتؤدي دور الفريزر.
وقد شاهدت هذا الصندوق في منزلنا، إذ احتفظت به والدتي لسنوات، ليبقى شاهدا على بساطة الحياة قديما وابتكار الأجداد لوسائل حفظ الطعام وتبريد المياه.
حياة ارتبطت بالأرض والزراعةفي حين يستذكر طارق عنان تفاصيل الصيف القديم بقوله: كم نشتاق لأيام زمان، فمجرد رؤية الصور والأماكن القديمة تعيدنا إلى أيام الطفولة والبساطة، إلى تلك الأيام التي كانت مليئة بالفرح في أبسط التفاصيل، وبالدفء الذي لا تزال ذكرياته تسكن القلوب حتى اليوم.
لذا، لم يكن فصل الصيف في الريف والبادية الأردنية مجرد فصل من فصول السنة، بل كان موسما تنتظره العائلات بشغف، لما يحمله من رزق وأفراح ومناسبات اجتماعية شكلت جزءا أصيلا من الهوية الشعبية.
فبين سنابل القمح وأغاني الحصاد والتعاليل والأعراس ونتائج التوجيهي، نسج الأردنيون تفاصيل صيف ظل حاضرا في الذاكرة، رغم ما طرأ على الحياة من تغيرات.
ويذهب الخبير ومدون التراث الأردني نايف النوايسة، في حديثه لـالغد، إلى أن حياة الإنسان في الريف والبادية كانت ترتبط ارتباطا وثيقا بدورة الفصول، ولكل فصل مواسمه وطقوسه، إلا أن الصيف كان الأكثر انتظارا لما يحمله من فعاليات ومناسبات تبعث الفرح والحيوية في المجتمع.
ويبين أن هذا الفصل يجمع بين مواسم الحصاد والأعراس وظهور نتائج الثانوية العامة والجامعات وعودة المغتربين واستقبال الضيوف والزوار بعد انقضاء برد الشتاء، فضلا عن نضج الخضار والفواكه وامتلاء الحقول بمحاصيل القمح والشعير والحبوب، وهي مشاهد كانت تنعكس بصورة مباشرة على الحالة النفسية للإنسان الذي ارتبطت حياته بالأرض والزراعة والمواسم.
ويشير النوايسة إلى أن هذا الارتباط تجسد أيضا في الموروث الشعبي، إذ كان أبناء الريف والبادية يرددون أمثالا تعبر عن شوقهم للصيف، مثل: حر الصيف ولا برد الشتاء، والصيف كيف، وبرد الصيف أحد من السيف.
وحتى في ذروة الشتاء كانوا يتطلعون إلى الدفء مرددين: شباط إن شبط وإن لبط، ريحة الصيف معه، في تعبير عن توقهم لانتهاء البرد القارس.
ورغم ذلك، لم تغب عن الذاكرة الشعبية قسوة الحر في بعض أشهر الصيف، فكان الناس يصفون شهر تموز بقولهم: في تموز بتغلى الميّة في الكوز، ويطلقون على شهر آب آب اللهاب، للدلالة على شدة الحرارة.
لكن هذه القسوة لم تقلل من مكانة الصيف، الذي ظل الفصل الأكثر ارتباطا باللقاءات العائلية والتعاليل وجني الثمار والحصاد والأعراس واحتفالات النجاح والتخرج.
الحصاد.
موسم العمل والغناءووفق النوايسة، فإن نهاية شهر أيار كانت تمثل بداية الاستعداد لموسم الحصاد، حيث يبدأ الفلاح بمراقبة محاصيل العدس والحمص والشعير، خاصة في المناطق الدافئة مثل الحُزمان، وعندما تنضج يقول: الزرع قايص، لتبدأ أولى مراحل الحصاد.
أما موسم القمح، وهو الأهم بالنسبة للفلاح، فكان يبدأ غالبا مع مطلع شهر تموز، حيث تُجهز الأدوات التقليدية مثل المنجل والقادم والبيدر والشوالات، استعدادا لجني المحصول وتخزينه.
ولم يكن الحصاد مجرد عمل زراعي، بل مناسبة اجتماعية يرافقها الغناء الشعبي، إذ كان الحصادون يرددون أهازيج مثل: منجلي يا بو رزة ويش جابك من غزة، ومنجلي ومنجلاه راح للصايغ جلاه، ما جلاه إلا بعلبة، يا ريت العلبة دواه، وغيرها من الأغاني التي خففت عنهم مشقة العمل ورسخت روح التعاون.
ومع انتهاء الحصاد، يبدأ موسم آخر لا يقل أهمية وهو موسم الأعراس، حيث يشعر الفلاح بأن ثمرة تعبه قد اكتملت، ويتفرغ للاحتفال بزواج أبنائه وبناته.
ويصف النوايسة تفاصيل تلك المناسبات التي تبدأ بـالنصّة، أو رفع البيرق على بيت الشعر أو البيت الحجري، إيذانا ببدء العرس، الذي يمتد من يوم الاثنين حتى عصر الجمعة، وتتخلله السامر والغناء وأهازيج النساء وحناء العروس وحمام العريس والقطار أو الفاردة والزفة، قبل أن يُختتم بوليمة الغداء ونقوط العريس.
ويضيف النوايسة أن الصيف كان أيضا موسما لإعلان نتائج الثانوية العامة وتخرج طلبة الجامعات، وهي مناسبات كانت تُستقبل بفرح كبير، إذ تقيم الأسر احتفالات تشبه حفلات الزواج، تعبيرا عن اعتزازها بانتقال أبنائها إلى مرحلة جديدة من حياتهم.
التعاليل.
ذاكرة اجتماعيةومن أبرز ملامح الصيف، بحسب النوايسة، التعاليل التي كانت تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل في بيوت الشعر والبيوت الطينية، حيث يجتمع أفراد العائلة والجيران، وتتخلل السهرات ألعاب شعبية مثل السيجة والطاب، إلى جانب ألعاب الأطفال والفتيان، فيما كان شعراء الربابة يحيون الأمسيات بطلب من كبار السن الذين ارتبطوا بهذا اللون من التراث.
كما كانت النساء يعقدن دواوين القهوة الخاصة بهن خلال الصيف، ويتبادلن الزيارات والجلسات الاجتماعية التي كانت تقل في فصل الشتاء بسبب البرد.
ويختتم النوايسة حديثه مؤكدا أن كثيرا من هذه العادات ما يزال قائما، لكنه تغير بفعل التطور التكنولوجي، إذ حلت الحصادات الحديثة محل الحصادين، واختفت تدريجيا أدوات مثل المنجل والقادم والبيدر والنورج والدواب، ومعها تراجعت الأغاني والطقوس المرتبطة بالحصاد.
كما تراجعت التعاليل ودواوين القهوة والألعاب الشعبية، نتيجة انتشار الهواتف الذكية وتغير أنماط الحياة وانشغال الناس بأعمالهم، إلى جانب غياب كثير من كبار السن الذين كانوا يحفظون هذا التراث وينقلونه إلى الأجيال الجديدة، لتبقى ذكريات الصيف القديم شاهدة على مرحلة شكلت جزءا كبيرا من الهوية الاجتماعية والثقافية للأردنيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك