عمان - في لحظة تتجاوز كونها فعالية تشكيلية عابرة، افتتحت رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، أول من أمس، معرض وورشة" سيدة الأرض" في مقرها، بمشاركة فنانين وفنانات من الأردن وعدد من الدول العربية.
ويعيد هذا الحدث طرح سؤال الفن ذاته: هل ما تزال اللوحة مساحة للزينة، أم أصبحت خطاباً فكرياً يعيد قراءة الإنسان ومكانه؟
اضافة اعلانمنذ اللحظة الأولى لدخول فضاء المعرض، يتضح أن الأمر لا يتعلق بعرض أعمال مكتملة فحسب، بل بتجربة متكاملة تتقاطع فيها الورشة مع المعرض، والعملية مع النتيجة، والفكرة مع التحقق.
فالفن هنا لا يقدم بوصفه منتجاً نهائياً، بل كحالة حية ترى وهي تتشكل أمام الجمهور، في كسر واضح للفصل التقليدي بين الفنان والمتلقي، وبين لحظة الإبداع ولحظة العرض.
ويمنح هذا التحول في طبيعة التجربة معرض" سيدة الأرض"، بعداً يتجاوز البعد الجمالي إلى البعد المعرفي، إذ يصبح المشاهد جزءاً من عملية إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ له.
وهو ما يعيد الاعتبار للفن بوصفه فعلاً ثقافياً حياً، لا مجرد نتاج بصري معزول عن السياقين الإنساني والاجتماعي.
ورعى افتتاح المعرض النائب الدكتور إسماعيل مشاقبة، الذي جال في أروقة المعرض واطلع على الأعمال المشاركة، متوقفاً أمام تنوع الأسلوب والرؤية، ومبدياً إعجابه بالمستوى الفني الذي تعكسه التجارب المعروضة.
غير أن أهمية حضوره لم تقتصر على التقدير الجمالي، بل تمثلت أيضاً في تأكيده أن الفن التشكيلي ليس ترفاً ثقافياً، وإنما جزء من بنية الوعي الوطني، وأداة من أدوات بناء الهوية وصياغة الحس الجمعي.
ومن هنا، جاءت دعوته إلى ضرورة تعزيز دعم الحركة التشكيلية الأردنية، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للفنانين، بما يتيح تحويل الإبداع من مبادرات فردية إلى مشروع ثقافي وطني متكامل.
من جانبه، قدم رئيس رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين الدكتور إبراهيم الخطيب، قراءة رمزية لعنوان المعرض" سيدة الأرض"، مؤكداً أن العنوان لا يقتصر على كونه توصيفاً جمالياً للمرأة، بل يعيد تموضعها في مركز المعنى؛ بوصفها كائناً يرتبط بالأرض لا باعتبارها فضاءً جغرافياً فحسب، وإنما باعتبارها ذاكرة وهوية واستمرارية.
فالمرأة هنا ليست موضوعاً للرسم، بل مرآة للوجود الإنساني في امتداده وصراعه وتوازنه.
أما مدير الفعالية الفنان محمد العمر الخطيب، فذهب إلى أن ما يميز هذه التجربة هو تحويل العمل التشكيلي من" صورة مكتملة" إلى" عملية مكشوفة"، حيث يرى الجمهور كيف تتشكل الفكرة داخل اليد، وكيف يتحول التردد الداخلي إلى قرار لوني، وكيف يُعاد بناء العالم على سطح القماش.
وهو ما يمنح المعرض طابعاً تعليمياً وتأملياً في آن واحد، ويضع الفن في قلب التجربة الإنسانية اليومية، لا في هامشها.
وتكشف الأعمال المشاركة، بتنوعها بين التجريد والرمزية والتعبيرية، عن تعدد في قراءة المرأة والأرض، لا بوصفهما موضوعين بصريين، بل حقل دلالي مفتوح على الأسئلة: من نحن؟ وكيف نرى الجمال؟ وما علاقة الجسد بالهوية؟ وما حدود الانتماء حين يتحول إلى لون وخط ومساحة؟في هذا السياق، لا يعود الفن التشكيلي مجرد ممارسة جمالية، بل يتحول إلى أداة للتفكير البصري، تعيد تفكيك المفاهيم المستقرة حول الإنسان والمكان والذاكرة، وتعيد تركيبها داخل لغة اللون والخط والكتلة.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها الحقيقية، ليس فقط من عدد المشاركين أو تنوعهم، بل من قدرتها على خلق مساحة حوار بين الفن والجمهور، وبين التجربة الفردية والوعي الجمعي، في زمن تتراجع فيه المساحات الثقافية لصالح الاستهلاك السريع للصورة.
ويستمر معرض" سيدة الأرض" لمدة أسبوع كامل، في مقر رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، دعوة مفتوحة لإعادة النظر في معنى الفن ذاته: ليس بوصفه زينة للعالم، بل وسيلة لفهمه، وليس صورة عنه، بل احتمالاً دائماً لإعادة تشكيله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك