ترتبط زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي المرتقبة في منتصف الأسبوع المقبل إلى واشنطن بجملة ملفات يصفها مسؤولون في بغداد بالخطيرة والمفصلية، حيث يتولى فريق استشاري عراقي خاص إعداد وتجهيز الملفات التي ستطرح هناك، وعلى رأسها سلاح الفصائل الحليفة لإيران، وإنهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، المقرر في نهاية أيلول/سبتمبر المقبل، ودخول الشركات الأميركية للعراق، ومنع استفادة إيران من النظام المالي العراقي.
ووفقا لمعلومات حصرية حصل عليها" العربي الجديد"، فإن رئيس الوزراء يغادر بغداد يوم الأربعاء المقبل الموافق 15 يوليو/تموز الجاري، على رأس وفد كبير يتضمن وزراء وقادة أمنيين وعسكريين، ورجال أعمال عراقيين.
وسهلت السفارة الأميركية في بغداد منح التأشيرات لغالبية أعضاء الوفد العراقي الذين طلب مكتب الزيدي تصاريح دخول لهم إلى الولايات المتحدة.
كما سيسبق ذهاب الوفد الذي يرأسه الزيدي سفر وزير الخارجية فؤاد حسين إلى واشنطن، حيث سيعقد اجتماعات مختلفة مع مسؤولين في وزارات الخزانة والخارجية والدفاع، إلى جانب المبعوث الأميركي الخاص توم برّاك.
وتأتي الزيارة في توقيت استثنائي يمر به العراق، في ظل ضغوط متزايدة تواجهها الحكومة على أكثر من صعيد، في مقدمتها الأزمة المالية نتيجة إغلاق مضيق هرمز ووقف شحنات النفط العراقي المصدر للعالم، وملف الفصائل المسلحة، والحملة الحالية لمكافحة الفساد التي تصطدم بشبكات نفوذ سياسية واقتصادية متجذرة داخل مؤسسات الدولة.
وقالت مصادر حكومية عراقية لـ" العربي الجديد" إن العراق سيعرض اعتماد حساب مالي بالشراكة مع الولايات المتحدة، يعتمد على جزء من عائدات النفط العراقية، وبناء خطط تمويل من خلاله لشركات أميركية تعمل بمجال البنى التحتية والإنشاءات والصناعات المختلفة، إلى جانب فتح الباب أمام الشركات الأميركية في قطاع الكهرباء، والنفط والغاز، والاتصالات، والبنى التحتية، والتجهيزات العسكرية للقوات العراقية النظامية، إضافة إلى الاستعانة بشركات مالية أميركية في تطوير القطاع البنكي والمصارف، وإنشاء نظام دفع إلكتروني متطور بالعراق، ونظام مراجعة وتدقيق مالي يسهم في الكشف عن ملفات الفساد الداخلي.
وعلى الجانب الآخر، أفاد مسؤول بارز بالحكومة العراقية لـ" العربي الجديد"، بأن الإدارة الأميركية ستطرح عدة ملفات، أبرزها تفكيك الفصائل المسلحة، وسحب سلاحها النوعي، وإنهاء سيطرتها على المناطق، ووقف أنشطتها الاقتصادية، ومنع تهديدها دول الجوار، وعدم تجديد العمل باتفاقية الغاز بين العراق وإيران، وتسريع مشروع الربط الكهربائي مع دول الخليج العربي، ومشروع تصدير النفط عبر ميناء بانياس السوري، إلى جانب ملفات أخرى مرتبطة بما يصفه مسؤولون أميركيون بأنه" فك الارتباط"، أمني اقتصادي عن إيران.
وحول الزيارة، قال عضو الائتلاف الحاكم في العراق (الإطار التنسيقي) علي الياسري لـ" العربي الجديد" إن" ملف الفصائل يتصدر المباحثات والضغوط الأميركية، وهو الملف الذي يمثل أحد أبرز التحديات أمام الحكومة، ليس فقط من الناحية الأمنية، وإنما أيضاً على مستوى الاستقرار السياسي".
وأوضح الياسري أن" الزيدي يحمل جدول عمل وآليات تفاهم مع واشنطن"، معتبرا أن نجاح الزيارة لن يقاس فقط بما سيصدر عنها من بيانات مشتركة أو تفاهمات سياسية، بل بقدرة الحكومة على تحويل الدعم الأميركي المُحتمل، إلى برامج تنفيذية واستثمارات فعلية وشراكات اقتصادية طويلة الأمد، فضلاً عن" الحصول على دعم سياسي يساعد بغداد في تنفيذ إصلاحات داخلية معقدة تتطلب توافقات سياسية وإرادة حكومية قوية".
وأضاف أن" الزيدي سيبحث مع المسؤولين الأميركيين في واشنطن التعاون المالي والمصرفي، وتطوير العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، واستمرار دعم الإصلاحات الاقتصادية، فضلاً عن تشجيع الشركات الأميركية العاملة في مجالات النفط والغاز والطاقة المتجددة والكهرباء والصناعات التحويلية والاتصالات على توسيع استثماراتها في العراق، بما يسهم في توفير فرص العمل ونقل التكنولوجيا الحديثة وتعزيز النمو الاقتصادي".
من جهته، قال الناشط السياسي مجاشع التميمي لـ" العربي الجديد"، إن" زيارة الزيدي ستكون من أهم الزيارات منذ سنوات، لأنها ستبحث إعادة صياغة العلاقة الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن".
وأضاف أنه" من المتوقع أن تركز الإدارة الأميركية على ضبط العلاقة مع إيران، وتعزيز سيادة الدولة العراقية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتوفير بيئة أكثر استقرارا للشركات الأميركية، بما يجعل الزيارة محطة مفصلية في رسم ملامح المرحلة المقبلة".
أما المستشار الحكومي السابق نبيل العزاوي فقال لـ" العربي الجديد"، إن الزيارة" ستؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة والاستثمار والتنمية المستدامة"، مبينا أن" سخونة الأحداث في المنطقة تفرض على صانع القرار العراقي تجنيب البلاد أي تطورات أو أحداث محتملة، الأمر الذي يتطلب مد الشراكات الفعلية مع الولايات المتحدة، التي لا تزال متحكمة بالعديد من الملفات، من بينها الأموال والسلاح".
وأضاف أن" الوقت قد حان لفض حالة الاشتباك القائمة وعدم وضوح الرؤية، إذ لا يوجد حتى الآن تعريف واضح يحدد طبيعة العلاقة بين الجانبين".
وتابع أن" البعض يصف الولايات المتحدة بالشريك المهم والضامن، فيما يعتبرها آخرون عدواً لا يمكن المضي معه بأي شراكة، وهذه التداخلات في المفاهيم تستوجب قراءة معمقة لتحديد بوصلة العراق واتجاهاته تجاه الولايات المتحدة، والاستفادة من هذا الانفتاح الواسع مع الزيدي، وتحويل العلاقة الأحادية إلى علاقة ثنائية".
وأكد العزاوي أن" اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008 لم يطبق منها سوى الجانب الأمني، والوقت حان للانتقال إلى العلاقة الاقتصادية، التي من خلالها يمكن فتح آفاق أُغلقت لأكثر من عقدين".
وتابع أنه" ما بين حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد، سيقدم الزيدي نهجاً ومنهجاً جديدين، لأن الاستثمار وإقامة علاقة مع الولايات المتحدة لا يمكن أن يتحققا في ظل وجود السلاح خارج منظومة الدولة"، معتبرا أن" عقلية الزيدي يمكن أن ترسم مستقبلاً جديداً خالياً من الإشكالات والتدخلات التي أرهقت جسد العملية السياسية".
وختم المستشار الحكومي السابق بأن" هناك إجماعاً على وجود فرصة ذهبية تمثلها هذه الزيارة، وأن انعكاساتها الإيجابية قد تمتد إلى مجمل الوضع العراقي".
وبالمثل، يرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية علي ناصر أن" زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة تمثل تحركاً مهماً جداً لبناء علاقات خارجية قوية، ولضمان توازن العلاقات مع الولايات المتحدة من عدة نواح مهمة، وفي مقدمتها الملف الأمني".
وقال ناصر لـ" العربي الجديد" إن" هناك عدة مشاريع مهمة مطروحة، من بينها مشروع صندوق الطاقة والتنمية الاستراتيجي، فضلاً عن استمرار تدفق عائدات النفط بالدولار إلى العراق، بما يسهم في ضمان عبور الأزمة الاقتصادية، لا سيما أن هذا الملف يشهد حالة من الارتياح بعد عمليات مكافحة الفساد الأخيرة".
وبيّن أن" الولايات المتحدة تسعى، في المقابل، إلى ضمان عدم استهداف قواتها المنتشرة في قواعد الشرق الأوسط، فضلاً عن ضمان استمرار وديمومة الاستثمارات".
وأضاف أنّ" النهوض بالواقع الأمني والخدمي والاقتصادي سيتحدد جزء كبير منه بعد هذه الزيارة المرتقبة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك