كرة القدم وظلال السياسة.
مباراة مصر والارجنتينتسرب الظلال السياسية الى كرة القدم امر محسوس جدا ولا سيما في مباريات كأس العالم.
تشجيع فريق معين لا يخلو من تحيزات ثقافية او سياسية فلا حياد مطلق في اي نشاط انساني، وكرة القدم بالذات وكل انواع المنافسات الرياضية توجد فيها مساحة معتبرة للدوافع المزاجية والعواطف الشخصية البحتة فضلا عن الهويات الاثنية!يظهر هذا جليا في تشجيع غالبية الجمهور في عالم الجنوب للمنتخبات العربية والافريقية بحرارة شديدة، كما يظهر عند اعراض الجمهور في دولة ما عن تشجيع منتخب دولة اخرى بسبب توترات سياسية او ثأر رياضي قديم او سابقة استعمار بين الدولتين.
من اهداف الرياضة ضبط وتهذيب الانحيازات والعواطف بتدابير حماية النزاهة والصرامة في الالتزام بقواعد اللعب النظيف والتشجيع النظيف الذي ليس فيه عنف مادي او لفظي لتكون الرياضة جسرا لتواصل الشعوب حول العالم.
الظلال السياسية ظهرت بكثافة في موقف جزء كبير من الجمهور السوداني الذي شجع الارجنتين وفرح بفوزها على مصر في مباراة امس!رصدت جانبا من التعليقات في السوشيال ميديا السودانية واستوقفتني بعض التعليقات التي توبخ السودانيين الذين شجعوا الارجنتين باعتبار ان ما فعلوه يعتبر فعلا عدائيا ضد الشعب المصري! وهذا امر في غاية الغرابة! ويتناقض جذريا مع الروح الرياضية!فالرياضة احد ميادين التدريب على تفهم منطق الفوز والخسارة وتحمل افراح الخصم الرياضي وجمهوره كجزء من طبيعة اللعبة وقوانينهامثلما هناك سودانيين شجعوا مصر وحزنوا على عدم فوزها فان من حق سودانيين اخرين ان يشجعوا الارجنتين ويفرحوا بفوزها حتى لو كانت دوافعهم سياسية!فلماذا يكون التعبير السياسي في ميادين كرة القدم محرما على السودانيين!الم يهدي المدرب المصري فوز فريقه لغزة ويرفع علم فلسطين؟ اليس هذا تداخلا بين كرة القدم والسياسة؟في كل مباريات منتخب انجلترا مثلا، تشجع غالبية الجمهور الاسكتلندي الفريق الخصم لانجلترا حتى لو كان من الواق الواق وهذا بسبب التوترات السياسية التقليدية بين الانجليز والاسكوتلنديين رغم انهم ينتمون الى كيان سياسي واحد هو المملكة المتحدة! تصل المكايدات الجماهيرية بين الانجليز الى اقصاها في منافسات كأس الامم الاوروبية او كأس العالم دون ان يقود ذلك الى عنف او اتهامات بخطاب الكراهية لان الطرفين يتعاملان مع بعضهما بندية.
من وجهة النظر المصرية الندية غائبة تماما في التعامل مع السودانيين، ولذلك يتم التعامل مع تشجيع الجمهور السوداني لخصم المنتخب المصري كخروج عن حدود الادب ويتم استنكار ذلك الفعل العادي جدا بمبالغات ومناحات لتجريمه وتحويل اصحابه الى مارقين و جاحدين وناكرين جميل وخائنين لحقوق حسن الجوار!من غير المفهوم سواء بمنطق الرياضة او منطق السياسة فرض وصاية على كل السودانيين والحجر على حريتهم في تشجيع او عدم تشجيع مصر او غيرها!قلوبنا وادمغتنا ومشاعرنا ليست ملكا لاحد!الواجب الوحيد علينا هو البعد عن الشتائم والاساءات لانها ليست من الروح الرياضية في شيء!عدا ذلك من حق اي سوداني عمل تمثال للمنتخب الارجنتيني، ومن حق اي سوداني اخر عمل تمثال للمنتخب المصري، وليس من حق اي واحد منهما زجر الاخر وليس من حق اي مصري التحكم في اختيارات السودانيين.
تشجيع المنتخب المصري ليس واجبا وطنيا او فرض عين على كل سوداني!وعدم تشجيعه ليس جريمة او خطيئة يجب زجر فاعلها او توبيخه!المشكلة في منطق الاستتباع المصري للسودان الذي يفترض ان يكون السوداني تابعا لمصر تلقائيا سواء في السياسة او الرياضة وكل من يشذ عن هذه القاعدة فهو كالعبد الآبق(الهارب من سيده) ايام الرق لا اعادها الله!ولكن الغريب فعلا هو ان يستنكر بعض السودانيين على البعض الاخر ممارسة حق طبيعي جدا وفي ادنى سلم الحريات الشخصية وهو تشجيع او عدم تشجيع فريق كرة قدم!وليس جديدا على السودانيين كسر قاعدة الاستتباع المصري والاحتجاج الناعم عليه من خلال كرة القدم، هذا الامر ليس من تداعيات الحرب الحالية، هل تذكرون مباراة مصر والجزائر في السودان عام ٢٠٠٩؟ وكيف ساند الجمهور السوداني بقوة منتخب الجزائر؟هذا التذكير مهم لمن يقولون ان كل مشجعي الارجنتين هم الجنجويييد، هذا مزاج سوداني قديم في كرة القدم يدل بوضوح لا لبس فيه على ان الشعوب لا تدخل بيت الطاعة! بل هي من تكسر ابوابه وجدرانه في زمن ما في المستقبل قد لا ندركه في حياتنا!المؤسسة العسكرية والنخبة السياسية جعلانا نفقد الامل في الانعتاق من التبعية لمصر قريبا!ولكن نبض الجماهير هو نافذة الامل الوحيدة المتاحة فلماذا يجتهد البعض في اغلاق هذه النافذة اليتيمة ويطالب جماهير كرة القدم بان تلتحق بنادي “الرجفيبة السياسي”!شكرا للارجنتين فقد انقذت هذا الكوكب من صداع اعلامي كان سيستمر حتى الالفية الرابعة على اقل تقدير!الان سيستمر الصداع الاعلامي لمدة اقل، ربما حتى كأس العالم المقبل وسينحصر في اسطوانة الحكم الظالم وكشف علاقته بالصhيونية، والمؤامرة الكونية على العروبة والاسلام التي كان المنتخب المصري ضحيتها وان مصر ضحت بكأس العالم حين رفع حسام حسن العلم الفلسسطيني وربما يتم تحضير روح نابليون بونابرت لسؤاله عن مدى تأثر حكم المباراة الفرنسي بجينات الحملة الفرنسية على مصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك