جنيف 8 يوليو 2026 – قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، الأربعاء، إنها جمعت أدلة جديدة تؤكد الاستنتاج السابق حول ارتكاب قوات الدعم السريع جريمة الإبادة الجماعية في الفاشر بولاية شمال دارفور غربي السودان.
وتعد الأدلة والمعلومات الجديدة التي حصلت عليها البعثة استكمالًا لتحقيقاتها، بعد نشرها تقريرًا بعنوان “مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر” في فبراير الماضي، خلص إلى أن الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع تحمل سمات الإبادة الجماعية.
وقالت البعثة، في تقرير، إن “عمليات القتل الجماعي والفظائع المرتبطة بها التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ومحيطها أثناء الاستيلاء على المدينة في أواخر أكتوبر 2025 تمثل مؤشرات على مسار إبادة جماعية”.
وأشارت إلى أن المعلومات الجديدة التي جُمعت، خاصة فيما يتعلق بعمليات القتل الجماعي والعنف الجنسي واختطاف النساء على يد قوات الدعم السريع، إضافة إلى المعاناة التي تعرض لها الآلاف الذين احتُجزوا وعُذبوا وطُلبت فدية مقابل إطلاق سراحهم أو تعرضوا للإخفاء القسري، تؤكد الاستنتاجات التي توصل إليها التقرير السابق.
وأوضحت أن التقرير الذي أصدرته اليوم يطوّر الأساس القانوني للاستنتاج المتمثل في أن عمليات القتل الجماعي والفظائع المرتبطة بها التي ارتكبتها قوات الدعم السريع “كانت مؤشرات على مسار إبادة جماعية”.
وسيطرت الدعم السريع على الفاشر في 26 أكتوبر 2025، بعد حصار بري استمر 18 شهرًا، حيث منعت وصول الإمدادات والأغذية إلى المدينة مع تدمير مصادر المياه والمرافق الصحية والأسواق ومتاجر التجزئة.
وفي 13 فبراير الماضي، قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إنه وثق مقتل أكثر من 6,000 شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى للهجوم على الفاشر، إضافة إلى 4,400 شخص بعد ذلك، فيما قُتل 1,600 آخرون أثناء فرارهم من المدينة.
وقالت البعثة إن قوات الدعم السريع، مدعومة بمليشيات عربية محلية ومقاتلين، استخدمت أسلحة خفيفة وثقيلة، ومدفعية، وطائرات مسيّرة هجومية، وذخائر انتحارية، وأنظمة تشويش في معارك الفاشر، كما جندت أطفالًا تتراوح أعمار بعضهم بين 12 و16 عامًا للقتال والحراسة وجمع المعلومات.
وذكر التقرير أن المعارك اتسمت بقصف مدفعي وجوي كثيف، وهجمات بالطائرات المسيّرة، واقتحامات متكررة للأحياء السكنية المكتظة، فيما تعرض مخيما زمزم وأبو شوك لقصف وهجمات برية متكررة أسفرت عن سقوط قتلى ودمار واسع ونزوح متكرر للمدنيين.
وأشار إلى أن الدعم السريع شنت هجومًا واسعًا على مخيم زمزم في أبريل 2025 أدى إلى مقتل أكثر من 1,000 شخص.
وأسفر الهجوم على زمزم، الواقع على بعد 12 كيلومترًا جنوب غربي الفاشر، الذي استمر لمدة 3 أيام، عن فرار قرابة 499,000 شخص، يمثلون 99% من سكان المخيم.
وذكرت البعثة أن الحصار على الفاشر أدى إلى انهيار شبه كامل لمنظومة الغذاء، بعد استهداف الأسواق وقطع طرق الإمداد ومنع دخول شاحنات الغذاء، مما تسبب في ظروف مجاعة، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.
وأفادت بأن مستشفى السعودي، الذي كان الوحيد العامل عند سقوط المدينة، اضطر إلى تنظيف جروح المصابين بالماء والملح بسبب نفاد المستلزمات الطبية، فيما تعذر علاج العديد من ضحايا العنف الجنسي نتيجة انعدام الأدوية.
وقال التقرير إن عناصر الدعم السريع، بعد سيطرتها على الفاشر، نفذت عمليات قتل جماعي في المنازل والأسواق والخنادق والمباني العامة والطرقات، كما أقامت نقاطًا عند مخارج المدينة فصلت فيها الرجال عن النساء والأطفال، قبل إعدام أو احتجاز أو اختطاف العديد من الرجال بدعوى دعمهم الجيش أو القوات المشتركة.
وأوضح أن السواتر الترابية التي أقامتها القوات حول الفاشر تحولت إلى مواقع لاحتجاز المدنيين وقتلهم.
وأشار إلى أن البعثة وثقت عمليات قتل داخل جامعة الفاشر ومستشفى السعودي، إضافة إلى العثور على أعداد كبيرة من الجثث على الطرق المؤدية إلى طويلة وقرني.
واستند التقرير الجديد إلى مقابلات مع 333 من الضحايا، إضافة إلى بعثات ميدانية إلى تشاد وجنوب السودان، ومراجعة أكثر من 50 تقريرًا عامًا، والتحقق من صحة 25 مقطع فيديو، وعقد أكثر من 45 اجتماعًا مع منظمات مجتمع مدني ومدافعين عن حقوق الإنسان وخبراء.
وقالت البعثة إن السلطات السودانية لم تتعاون مع التحقيق، رغم إبلاغها بمسودة التقرير في 3 يوليو الجاري، فيما لم تتمكن من عقد اجتماع مع قيادة الدعم السريع التي خاطبتها عدة مرات خلال أبريل ومايو ويونيو الماضيين، حيث اكتفت بتلقي رد مكتوب على بعض الأسئلة.
ويعترض السودان على قرار إنشاء البعثة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان في أكتوبر 2023، بذريعة أنه يساوي بين الجيش الوطني ومليشيا متمردة، إضافة إلى وجود آليات أممية معنية بحقوق الإنسان في البلاد.
وتحدث التقرير عن إن القيود المفروضة على حركة المدنيين ومنعهم من مغادرة الفاشر دفعت بعض النساء اللواتي حملن نتيجة الاغتصاب إلى اللجوء إلى عمليات إجهاض غير آمنة، ما تسبب في نزيف حاد ووفيات.
وأشار إلى أن بعثة تقصي الحقائق تلقت أدلة إضافية تؤكد ارتكاب قوات الدعم السريع عمليات اغتصاب فردي وجماعي بصورة واسعة ومنظمة، استهدفت بصورة خاصة النساء والفتيات من المكونات غير العربية، ولا سيما الزغاوة.
ووثقت البعثة حادثة اغتصاب ما بين 15 و20 امرأة وفتاة، بينهن مراهقات وسيدة سبعينية توفيت لاحقًا متأثرة بإصابتها، كما سجلت حالات اغتصاب لفتيات تراوحت أعمارهن بين 12 و17 عامًا.
وأوضحت أن معظم وقائع الاغتصاب الجماعي وقعت على الطرق بين الفاشر وطويلة وقرني وجبل وانا ومليط، إضافة إلى منطقتي شقرة وقولو.
وذكرت أن قوات الدعم السريع اختطفت بصورة ممنهجة نساء وفتيات ونقلتهن إلى مناطق نائية، حيث تعرضن للاغتصاب.
وأفادت بأنها وثقت حادثة قتل 4 نساء بعد ربطهن بعربة وسحبهن لمسافة تقارب كيلومترًا واحدًا.
وكشف التقرير عن تعرض نساء للاغتصاب بجوار جثث أفراد من أسرهن الذين قُتلوا قبل دقائق، معتبرًا أن هذا النمط استهدف إلحاق أقصى درجات الرعب والمعاناة النفسية بالضحايا.
وبيّن أن النساء والفتيات تعرضن للقتل المباشر أثناء محاولتهن حماية أقاربهن أو مقاومة الاغتصاب، معتبرًا أن استهداف الرجال بالقتل والنساء بالعنف الجنسي استهدف تدمير البنية الاجتماعية للمجتمعات المحلية.
وفي مطلع يوليو الجاري، قالت منظمة العفو الدولية إنها أجرت تحقيقًا على مدى 8 أشهر، خلص إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وأعمال تطهير عرقي خلال حملتها للاستيلاء على الفاشر.
وحددت منظمة العفو هوية بعض قادة قوات الدعم السريع المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، من بينهم اللواء جدو حمدان أحمد محمد “أبو شوك”، والفاتح عبد الله إدريس، المشهور بلقب “أبو لولو”، وعباس خاطر بخيت.
وسمّت قوات الدعم السريع جدو أبو شوك، الذي يمت بصلة قرابة إلى قائدها محمد حمدان “حميدتي”، قائدًا لعملياتها في الفاشر بعد السيطرة على المدينة، فيما زجّت بـ”أبو لولو” في السجن قبل أن يُفرج عنه لاحقًا، وفقًا لتقارير صحفية.
وتحدث التقرير عن احتجاز آلاف المدنيين في مدارس ومستشفيات ومبانٍ حكومية داخل الفاشر، قبل نقل أعداد كبيرة منهم إلى مدينة نيالا.
وقالت البعثة إن آلاف المحتجزين ما زالوا يقبعون في سجن “دقريس” وسط اكتظاظ شديد، وانعدام للرعاية الصحية، ومخاطر مرتفعة للإخفاء القسري.
وأشارت إلى أن المحتجزين حُرموا من الاتصال بأسرهم أو بمحامين، بينما مُنع العاملون في المجال الإنساني وآليات حقوق الإنسان من زيارة أماكن الاحتجاز، كما توفي عدد من المعتقلين بعد إصابتهم بالكوليرا نتيجة شرب مياه ملوثة.
وأفادت إلى أن قوات الدعم السريع مارست الابتزاز المالي بحق المحتجزين وعائلاتهم، مطالبة بدفع فديات عبر تطبيقات مصرفية أو وسائل التواصل الاجتماعي مقابل الإفراج عنهم.
وقال التقرير إن البعثة تحققت من وجود نائب قائد قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو داخل الفاشر يوم السيطرة على المدينة، استنادًا إلى مقاطع فيديو موثقة.
وقالت البعثة، في بيان مرفق مع التقرير، إنها حذرت خلال النقاش العاجل الذي عقده مجلس حقوق الإنسان بشأن الأبيض في 3 يوليو الجاري من الأنماط التي لوحظت سابقًا في الفاشر، والتي بدأت بالظهور في الأبيض.
وأفادت بأن هذه الأنماط تتمثل في تطويق المدينة، والهجمات على البنية التحتية، وتزايد العزلة الإنسانية، وتصاعد المخاطر التي تهدد المدنيين، مشيرة إلى أن هذه المؤشرات التحذيرية سبقت فظائع مدمرة في أماكن أخرى من السودان، داعية إلى اتخاذ إجراءات فورية لحماية السكان.
وأشارت إلى أنها أطلقت تحقيقًا عاجلًا في أي انتهاكات أو تجاوزات مزعومة لحقوق الإنسان في الأبيض.
والاثنين، اعتمد مجلس حقوق الإنسان قرارًا طلب من بعثة تقصي الحقائق إجراء تحقيق عاجل في أي انتهاكات مزعومة في الأبيض.
ونفذت قوات الدعم السريع، خلال الأسابيع الماضية، سلسلة هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت محطات الوقود والكهرباء والسوق الرئيسية، بالتزامن مع حشدها قوات حول المدينة، وسط تحذيرات دولية متواصلة من تأثير أي هجوم على المدنيين.
ويُخشى أن يؤدي الهجوم الذي تخطط قوات الدعم السريع لشنه على الأبيض إلى تهديد حياة 563,000 مدني و105,000 نازح، إضافة إلى 700,000 شخص آخر يقيمون ضمن نطاق 30 كيلومترًا حول مركز المدينة.
وقال رئيس بعثة تقصي الحقائق محمد شاندي عثمان، إن تحقيقات البعثة “لا تقتصر على توفير الأساس الإثباتي الذي تستند إليه استنتاجاتنا بشأن الفاشر فحسب، بل تعكس أيضًا استمرار التحقيقات في الانتهاكات التي دمّرت المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء دارفور”.
وأضاف: “إن الأنماط التي وثقناها في الفاشر، بما في ذلك التطويق، والهجمات على البنية التحتية المدنية، وفرض قيود على وصول المساعدات الإنسانية، والانتهاكات الواسعة بحق المدنيين، تُعد بمثابة تحذير صارخ.
ويجب على المجتمع الدولي أن يستوعب هذه الدروس ويتحرك لمنع وقوع المزيد من الكوارث”.
بدورها، دعت الخبيرة العضو في بعثة تقصي الحقائق منى رشماوي إلى عدم تجاهل الدروس المستفادة من الفاشر.
وتابعت: “يجب على أطراف النزاع، والجهات التي تقوم بتمكينها عبر استمرار تزويدها بالأسلحة والطائرات المسيّرة وغيرها من أشكال الدعم، أن تتحرك الآن لحماية المدنيين.
ولا يزال لدى المجتمع الدولي نافذة فرصة لمنع وقوع مزيد من جرائم الفظائع.
ويجب ألا تتحول الأبيض إلى مسرح الجريمة التالي”.
وتُعد مدينة الأبيض مركزًا تجاريًا وإنسانيًا حيويًا في إقليم كردفان، حيث إن أي هجوم بري عليها من شأنه تعطيل وصول إمدادات السلع والمساعدات الإنسانية إلى جنوب وغرب كردفان وبعض مناطق دارفور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك