حتى مَن يعارض الرؤية الفكرية للتيار الحردلى (الحريدى - القومى) يجب أن يعترف بأن هذا التيار لم يُخفِ يومًا أجندته؛ فهذا القطاع المنظم، الذى لا يشكل سوى نسبة قليلة من السكان، وضع بعد خطة الانسحاب من غزة (فك الارتباط) هدفًا واضحًا: إعادة تشكيل مراكز القوة فى الدولة، عبر الاندماج فيها.
لم يكن هناك أى إخفاء لذلك.
فى نهاية سنة 2007، نشر الحاخام إيلى سدان، مؤسس مشروع الأكاديميات العسكرية التمهيدية، كتيبًا تحت عنوان «تحديد الاتجاه للصهيونية الدينية»، وذلك على خلفية الأصوات التى دعت إلى الانغلاق بعد صدمة فك الارتباط فى سنة 2005.
وإلى جانب انتقاد لاذع لِما وصفه بـ«القذارة» التى رافقت بناء الدولة على يد النخبة العلمانية، دعا إلى تحمّل «المسئولية عن إعادة بناء المجتمع، وفق قيم التوراة»، عبر إعداد «قوى كبيرة فى الجيش، وفى الجهاز القضائى، وفى وسائل الإعلام…» من أجل تصحيح الإخفاق التاريخى المتمثل فى عدم إقامة «دولة يهودية مثالية، وفق شريعة إسرائيل»، لذلك دعا إلى «الدخول إلى المنظومات القائمة: الجيش، والشاباك، والموساد، والشرطة».
هذه لم تكن مؤامرة، بل كانت استراتيجية معلنة تهدف إلى دمج خريجى التعليم الحردلى فى مراكز القوة داخل الدولة، وتحققت فعلًا.
والمثير للدهشة أن هذه الدعوة لم تحظَ بأى اهتمام تقريبًا من المعسكر الليبرالى، وبالتأكيد، لم تواجه نقدًا جادًا.
صحيح أن دعوة سدان أدت إلى نمو ملحوظ فى مشروع المدارس التمهيدية وزيادة الحضور الحردلى فى صفوف الضباط، إلّا أن الجيش لم يغيّر طابعه آنذاك.
عندها جاءت المرحلة التالية: فى سنة 2016، اتّهم الحاخام يغال ليفنشتاين، شريك سدان فى تأسيس أكاديمية «عيلى» [أكاديمية إعدادية تابعة للجيش الإسرائيلى]، النيابة العسكرية فى خطاباته المثيرة للجدل، بأنها تعرّض الجنود للخطر، وسخر من المجندات المتدينات، ووصف أفراد مجتمع الميم بأنهم «منحرفون»، وانتقد المضامين الديمقراطية والإنسانية التى ينشرها سلاح التربية والتعليم، وجعل من تحقيق النصر القيمة العليا؛ فإذا كان سدان ركز على ضرورة الاندماج فى مراكز القوة، فإن ليفنشتاين تحدث فعليًا عن ضرورة استثمار القوة التى تراكمت داخل الجيش لخوض معركة تغيير هويته.
ومرة أُخرى، أخفقت الأغلبية العلمانية فى استيعاب دلالة هذه النصوص، واستمرت محاولات التأثير الحردلية من دون عوائق، بما فى ذلك ترقية ضباط لم يخفوا رغبتهم فى تشكيل جيش مختلف.
وبعد هجوم السابع من أكتوبر، استسلم المعسكر الليبرالى، من دون مقاومة تُذكَر، أمام الأطراف التى اعتبرت أن الهجوم أثبت صحة انتقاداتها للجيش؛ عندها استطاع سدان أن يتباهى بأن اللغة الدينية أصبحت «متداولة على ألسنة كثيرين من قادتنا ومقاتلينا»، بمن فيهم «العلمانيون».
وليس من قبيل الصدفة أن تتصاعد أيضًا احتجاجات التيار الحردلى على عدم ترقية ضباطه، والتى أثمرت نتائجها: عشية الحرب، أصبح زينى أول جنرال من التيار الحردلى، وخلال الحرب رُقّى كلٌّ من آفى بلوط ودافيد بار كليفا إلى المناصب الحساسة فى قيادة المنطقة الوسطى ورئاسة شعبة القوى البشرية، كذلك رُقّى زينى إلى رئاسة جهاز الشاباك.
إن المعسكر الليبرالى يحتج اليوم على نتائج هذه العملية، لكنه على مدى نحو عشرين عامًا، لم يواجه تقريبًا الأجندة التى دفعتها.
كانت النصوص علنية، وصيغت الخطة بوضوح، إلّا أن النقاش العام يتركز الآن على النتيجة، وليس على الاستراتيجية التى أفضت إليها، ولا على الدروس المستفادة منها.
وستواصل الاستراتيجية الحردلية تحقيق النجاح إلى أن تنشأ معارضة علمانية لها.
مؤسسة الدراسات الفلسطينية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك