تم فتح المغرب والأندلس في عهد الدولة الأموية.
ومع بروز الدولة العباسية استقل الغرب الإسلامي عن الخلافة فبرزت الدولة الأموية في الأندلس، والإدريسية في المغرب، بعد فرار كل من صقر قريش والمولى إدريس بعد النكبة التي تعرض لها الأمويون وآل البيت.
ومنذ الفتح الإسلامي ودخول العرب إلى الغرب الإسلامي كانوا يحملون معهم لغتين: كتابة الكتابة التي كانوا يتعاملون بها في المكاتبات وتدبير شؤون الدولة، والإبداع الأدبي خطابة، وشعرا، ونثرا، من جهة.
واللهجات العربية التي كان ينطق بها كل منهم حسب القبيلة التي كان ينتمي إليها، محملة بتراثها الشعبي والشفاهي، من جهة ثانية.
ستتطور العربية الكتابية، واللهجات العربية الشفاهية مع الزمن، فتعايشتا مع لغات ولهجات المحليين، فلم تعملا على محوها، واستطاعتا مع الزمن فرض وجودهما على غيرهما من اللغات واللهجات التي ظلت محافظة على بقائها في الجهات التي كانت توجد فيها.
فكان ذلك سببا في تبلور أدب عربي كتابي، وآخر شفاهي باللهجات العربية التي ستتطور في المغرب والأندلس، مع تسجيل ملاحظة مهمة تبين لنا الفرق بين واقع الأدب المغربي والأندلسي.
ففي الوقت الذي نجد فيه الأندلسيين يتفننون في الإبداع الأدبي بكل أجناسه وأنواعه، بقي الأدب المغربي دون ما تحقق في الأندلس، سواء على مستوى الموضوعات أو جماليات التعبير لاختلاف بيئة الأندلس وتاريخها وجغرافيتها، أو طبيعة الحكام العرب الذين تداولوا عليها، خاصة إبان الدولة الأموية.
كان الفتح الإسلامي للمغرب قبل الأندلس، لكن الفرق بين العدوتين أرضا وثقافة من جهة، وتأسيس الدولة المختلفة في كل منهما من جهة ثانية، أثره في التميز الأندلسي عن المغربي.
لقد وجد المسلمون في الأندلس، أولا، دينا جامعا (المسيحية)، وثانيا، نظاما سياسيا وراثيا، ودولة قائمة يحكمها النبلاء الذين كانوا يتصارعون على العرش (رودريك، ملك القوط)، وثالثا لغة موحدة هي اللاتينية التي كانت سائدة، لأنها كانت لغة الطبقة الحاكمة إلى جانب اللغة القوطية، إلى جانب بيئة جغرافية مثالية تختلف عن البيئة التي عرفها العرب في شبه الجزيرة العربية، وإن كانت تتشابه مع دمشق الفيحاء التي اتخذها الأمويون عاصمة لهم.
لذلك حرص الأمويون على النظر إلى الأندلس على أنها دمشق أخرى.
فأطلقوا أسماء بعض المدن على ما تركوه في الشام.
وكان لخصوصية الأمويين الذين خبروا التدبير السياسي طيلة أكثر من قرن من الزمان أثره في ما قامت به الدولة الأموية في الأندلس، فوحد عبد الرحمن الداخل الدولة والبلاد، وقضى على الصراعات التي كانت سائدة، وبذلك أسس الإمارة التي ستتحول إلى خلافة مع عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر، الذي يمكن اعتبار عهده، العصر الذهبي الأندلسي، حيث ازدهرت العلوم والفنون، وصارت قرطبة تضاهي بغداد والقسطنطينية وتتميز عنهما بعلمائها وأدبائها وفنانيها.
وفي القرن الرابع الهجري برز الزجل الأندلسي (ابن قزمان)، باللغة العامية الأندلسية، فانتشر هذا الإبداع الذي لم يبق أسير الشفاهة، بتحوله إلى الكتابة التي اهتم بها الأندلسيون الذين لم يكونوا يعانون من الأمية، فتركوا لنا بذلك ذخيرة نصية شعبية مهمة.
ودام حكم الأمويين في الأندلس قرابة ثلاثة قرون صارت بموجبها الأندلس مركزا ثقافيا عالميا ما تزال آثارها متواصلة إلى اليوم.
حين نقارن الدولة الإدريسية في المغرب بنظيرتها الأندلسية، نجد الاختلاف بينا بين التجربتين.
فكل شمال افريقيا، وضمنه المغرب كان منقسما إلى إدارة بيزنطية مركزية، خاصة في سواحل البحر الأطلسي والمتوسط، وإمارات أمازيغية متعددة في الداخل، وداخل ما كان يحكمه البيزنطيون كانت المسيحية الدين الرسمي، رغم الانقسامات المذهبية الحادة، وفي باقي المناطق كانت توجد ديانات متعددة لا يوحدها اعتقاد مشترك.
ويمكن قول الشيء نفسه عن اللغة.
كانت اللاتينية لغة النخبة القليلة من أهل البلد، وكانت اللهجات الأمازيغية، وإن كانت تشترك في أصل واحد، متعددة ومختلفة باختلاف المناطق التي صارت لكل منها لهجتها التي تختلف في ما بينها قوة وضعفا.
في غياب دولة مركزية، ولغة جامعة، ودين موحد كان المغرب مختلفا جذريا عن الأندلس، كما أن الطبيعة الجغرافية في شمال افريقيا كانت متعددة، فلا وجود فيها للأنهار، وكان تنوعها بين السهول الساحلية القليلة التي كان يملكها البيزنطيون، وكثرة الجبال والصحارى، وشساعة المساحة أثره في التباعد بين الساكنة، واحتفاظ المناطق باستقلاليتها، وعدم تفاعلها مع غيرها التفاعل الذي يمكن أن يؤدي إلى قيام الوحدة الشاملة، سواء على مستوى اللغة أو الدين أو الدولة.
ينتمي المولى إدريس إلى طائفة ظلت تطالب بالدولة، ولم تكن لها تجربة في التدبير السياسي عكس الأمويين.
وقد نجح بمؤازرة قبيلة أمازيغية التي بايعته وفق التقاليد الإسلامية، في تشكيل الدولة لمواجهة الصراعات والاضطرابات التي ظلت سائدة منذ الفتح الإسلامي، واستعان بخبرة أهل افريقيا، في تنظيم شؤون الدولة، لكن اغتياله من قبل العباسيين بعد حكم لم يتجاوز سبع سنوات، أتاح الفرصة لابنه إدريس لاستكمال ما بدأه أبوه من تنظيم الدولة، وإرساء أسسها، وبناء مدينة فاس، التي ستصبح عاصمة ثقافية تستقطب طلبة العلم والعلماء من الأندلس وافريقيا فحصل التواشج والتعايش بين مختلف المكونات، ما ساهم في تشكيل بيئة ثقافية وحضارية ذات ملامح خاصة، لكن تقسيم الدولة بين أبناء إدريس الثاني عجّل بزوال الدولة الإدريسية التي لم تعمر سوى قرن وثلاثين عاما.
إن اللغتين اللتين حملهما الفاتحون ستفرضان وجودهما في المغرب والأندلس، وسيظهر لكل منهما أدب خاص: أدب عربي كتابي جامع ساهم فيه كل المغاربة قديما وحديثا، إنتاجا وتلقيا.
وأدب شفاهي باللهجات الأمازيغية والعربية يتعدد بتعدد المناطق والجهات.
وإذا كان للأدب الأندلسي حظ من الذيوع والانتشار، فإن الأدب المغربي المكتوب والشفاهي في غناه وتنوعه وتعدده ما يزال يفرض علينا البحث فيه علميا، وقراءته قراءة موضوعية للكشف عن «مغربية» La marocanité الذات المغربية في خصوصيتها وتميزها الاجتماعي والتاريخي وتنوعها الثقافي في تفاعلها مع هويتها الثقافية التاريخية ومحيطها الجغرافي والإنساني.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك