تُعد العبارات الذاتية إحدى محددات الشخصية، وهي بمثابة خريطة طريق لمستقبل الفرد، من خلالها يتشكل تقدير الذات لديه، وتنشأ العبارات الذاتية من خلال عبارات سلطوية- من قبل الأب أو المعلم أو المسؤول– تجاه فرد أو أفراد معينين بشكل متكرر، يتقمص فيها الفرد المعنى الحقيقي لتلك العبارات؛ فيصبح الفرد ينعت نفسه بتلك العبارات- حديث النفس– سواء كانت تلك الصفات إيجابية أو سلبية.
اضافة اعلانإن الحديث عن العبارات الذاتية يأخذنا عنوة إلى الحديث عن مفهوم الذات، ومن ثم الحديث عن مفهوم آخر له علاقة وطيدة به وهو تقدير الذات، هذان المفهومان اللذان يترددان كثيرًا عند الحديث عن الشخصية الإنسانية.
فمفهوم الذات ملازمًا لكل فرد من أفراد المجتمع وهو الأشمل والأعم وعليه يُبنى تقدير الذات ويعد الأساس له.
مفهوم الذات: هو الهوية الشخصية للفرد ونعني بذلك: كل مكونات الفرد الجسمية والنفسية، ويشكل الجندر الأساس في ذلك، فإدراك الفرد لنفسه ذكرا أم أنثى، وصفاته الجسدية، ووعي الفرد على ما هو عليه من صفات، وملاحظة طريقة تعامله مع الأشخاص المحيطين به كالأم، والأب، والأصدقاء، والمدرسة، والبيئة التي يعيش فيها، وكل ما يخصه من ممتلكات، ومهارات الكلام والتحدث، والمواقف التي تواجهه، والتوجهات الاجتماعية التي تتشكل لديه، ومهنته، وجنسيته، وانتماءاته وتوجهاته.
إن مفهوم الشخص عن ذاته له دور في كيفية تشكّل سلوكه، سواء كان هذا المفهوم صحيحًا أو خاطئًا، ونعنى بذلك أنه إذا كان اعتقاده عن ذاته، مثل: أنا صادق، أمين، ذكي، شجاع، مخلص، متعاون، ناجح، جميل، ضعيف، غبي، غير محبوب.
فمن الصعب اعتقاد حدوث سلوك يناقض ذلك الاعتقاد.
أما تقدير الذات: فهو صورة الذات أو فكرة الشخص عن ذاته التي يكوّنها عن نفسه في ضوء أهدافه وإمكانياته واتجاهه نحو هذه الصورة ومدى استثماره لها في علاقته بنفسه، وفي الوقت نفسه صورته في مجتمعه وما يصفه به ذلك المجتمع من صفات، وعلى ضوء تقدير الفرد لنفسه وتقدير مجتمعه له يكون مدى توافقه النفسي مع بيئته وتقديره لذاته.
وذكر ( ماسلو) في هرم الحاجات الإنسانية: بأن هناك حاجات أساسية للفرد يجب إشباعها، وأن عدم إشباعها يؤدي إلى اضطرابات جسمية ونفسية وعدم توافق نفسي، ومن ضمنها الحاجة إلى التقدير.
كيف يتم تشكيل العبارات الذاتية لدى الفرد؟يبدأ مفهوم الفرد لذاته واضحا من خلال أدوار كلا الجنسين التي رسختها الأسرة في شخصية أطفالها والأدوار المنوطة بكلا الجنسين.
إن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي يفضل العيش والانتماء إلى جماعة لا الوحدة، ومن خلال تجاربه (نجاح، فشل) تتكون نظرته لنفسه ويكوّن عبارات ذاتية عن قدراته الجسمية والنفسية، فهو أعلم الناس بقدراته، ومن خلال تفاعله مع محيطه الاجتماعي يكوّن عبارات ذاتية تكون نتاج تلك التفاعلات مع محيطه الاجتماعي.
تتكون العبارات الذاتية من خلال مسارين: المسار الأول خبرات الفرد نفسه، والمسار الثاني تفاعله مع محيطه الاجتماعي، وتعد الأسرة من أهم مكونات البيئة الاجتماعية للطفل فهي الحاضنة الأولى التي تعمل مبكرًا على تشكيل مفهوم الذات بشكل أساسي وتسهم في الوقت نفسه على تكوين تقدير الذات لديه بشكل نسبي، ويكون تأثير الأسرة بتثبيت تقدير الذات لدى الطفل مهمًا للغاية، فالأسرة هي التي تصوغ للطفل حتى سن معينة مفردات حياته الأولى، ولكن يبقى تأثيرها محدودًا نوعًا ما في تقديره لذاته؛ لأن أسرته ستمنحه الحرية في اتخاذ قراراته بناء على المعطيات الدينية والأخلاقية والعرف والتقاليد التي ساهمت في بناء مجتمعه، وعلى الآباء تخير صفات وألقاب جميلة تشحذ همم أبنائهم وتمنحهم الثقة والدافعية.
يتبلور مصطلح تقدير الذات لدى الطفل أثناء وجوده في بيئته المدرسية ضمن أقرانه وخلال مروره بالمراحل العمرية اللاحقة، حيث تلعب جماعة الأقران دورًا كبيرًا في تشكيل تقدير الذات لديه، ويسهم المعلم بالدور الحاسم والمهم داخل الغرفة الصفية بتشكيل هذا المفهوم، فكل كلمة أو حركة أو إيماءة من المعلم تجاه الطالب تعني الكثير الكثير، فبمجرد نداء الطالب باسمه من قبل المعلم يولد لديه شعورًا بالفخر والاعتزاز، وكل عبارة يوجهها المعلم إليه تُعد مرجعية محاطة بالقداسة من كل جانب–سواء عبارات المديح اللفظية أو المكتوبة– تكون كفيلة ببث الثقة وزيادة الدافعية لديه لإثبات ذاته وتوكيدها، فعلى المعلم أن يرفع من سقف توقعاته بأن كل عبارة يتفوّه بها في غرفة الصف مرشحة بأن تكون عبارة ذاتيّة لكل طالب تشكل لديه دستوراً لغد مشرق، فلطالما قام الطلبة بتجميع تلك الملاحظات (أحسنت، ممتاز، مميز، بطل، نجمة، تاج.
) من صفحات دفاترهم ليفخروا بها أمام زملائهم وأولياء أمورهم، فهذه العبارات عبارة عن شهادة بحقهم، وكان لها مفعول السحر في سلوك هذا الطالب أو ذاك في حينها، وقد يحتفظ بتلك القصاصات طوال حياته.
إن كل صفة يطلقها المعلم على الطالب تُصبح صفة لصيقة به يكررها بينه وبين نفسه، ويسمعها من طلبة صفه، وكم من كلمة قام المعلم بتوجيهها لأحد طلبته بثت الثقة بقدراته وجعلت منه عالمًا فذًا، من خلال تقمص الطالب لتلك الصفة واعتزازه بها.
في المقابل قد يصاحب بعض العبارات السلبية سلوك التنمر من قبل الزملاء على الطالب المعني، مثل: غبي، مشاغب، كسول.
ويترتب عليها نتائج سلبية تزداد حدة مع تكرارها المستمر.
على المعلم الناجح وولي الأمر أن يضعا نفسيهما مكان الطفل ويتبادلا معه الأدوار كل فترة وأخرى، إذ يمكنهم من خلال ذلك أن يكتشفا مدى حاجة الطفل للتقدير والاحترام وبث الثقة في نفسه، ويمكن القيام بذلك عمليا من خلال: مدح إنجازات الطفل مهما قلت بكافة الأساليب المتاحة وبما يتناسب مع طبيعة الإنجاز وعدم الإفراط بالمديح، والتعبير عن محبتهم له بشكل صريح ومباشر حسب ما يتطلبه الموقف التعليمي دون مبالغة، والاستماع جيدًا لكل طفل، وإعطائه فرصة للتعبير الحر، ومنحه الاستقلالية والاختيار سيما في الأنشطة اللاصفية، وتوزيع الأدوار على الأطفال حسب قدراتهم وبث روح التحدي الشريف بينهم، وتنمية نقاط القوة لديهم وإظهارها وتعزيزها، ومساعدتهم في التخلص من نقاط الضعف، وبناء علاقة أسرية يشعرون من خلالها بالأمان، ومد يد العون كلما لزم الأمر بحسب ما يتوفر من إمكانيات، ومحاورتهم ومناقشتهم بالأمور المتعلقة بالمادة الدراسية، والتطلعات المستقبلية واستغلال جدران المدرسة والغرفة الصفية، ومحتويات المقصف المدرسي، لكتابة عبارات تربوية، ودينية، ووطنية، تنمي في نفس الطلبة القيم الحميدة وحب الوطن والانتماء إليه، وتقدير العلماء، واحترام الآخر، وتوقير الكبير، وتقوية الأواصر المجتمعية.
تُعد العبارات التي تتبناها المدرسة وتخطها على جدرانها بين الغرف الصفية وأسوارها الداخلية أو الخارجية من الطرق التي تشكل العبارات الذاتية لطلابها أيضا، فبمجرد قراءة الطالب لهذه العبارات يوميًا تصبح جزءًا من تفكيره وسرعان ما يتمثلها في حديثه وسلوكه.
لا تقتصر العبارات الذاتية على البيئة المدرسية فقط، بل تمتد إلى المؤسسات الحكومية والخاصة، والنوادي الرياضية والمكتبات العامة والميادين العامة والشوارع، ووسائل النقل.
ومن أمثلة تلك العبارات: حب الوطن من الإيمان، النظافة من الإيمان، من أهمل الرياضة في شبابه جارت عليه في شيخوخته، العقل السليم في الجسم السليم، رجال الأمن العام يسهرون لتنام أعين الناس بسلام، العلم نور والجهل ظلام، والكثير من أبيات الشعر والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال القادة والمؤثرين.
لذلك يجب اختيارات العبارات الموجهة بعناية فائقة لما لها من تأثير نفسي على أطفالنا؛ لأنها ستكون عبارات ذاتية تترجم إلى سلوك عملي في حياتهم المستقبلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك