فيما يحاول الرجل البرتقالي بمعية «جزار الشرق الأوسط» تغيير جلد العالم – مقترحين قراءة رجعية لتاريخ البشرية الطويل، ومعتمدين للتضليل الممنهج بأدواته الأكثر تطورا – يسطر مواطنو المغرب العربي الكبير يومياتهم باهتمامات لحظية، وأخرى أكثر امتدادا تعكسها مواقع التواصل الاجتماعي.
من موجبات الفخر الوطني في المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة تصدر وسم المغرب كبلد منشأ للأسواق عبر مختلف البقاع تغطية للحاجات بالخضر والفواكه، وأيضا للمنافسة مع دول لها تاريخها في الصناعات الفلاحية عامة.
لكن يبدو أن «حتة» «القومية الملوكية» قد تأثرت قليلا خلال الأسابيع الأخيرة.
المطبخ المغربي كغيره من مطابخ المغرب العربي الكبير وحوض المتوسط إجمالا يعتبر البصل مادة رئيسية له، بل لا يمكن تعويضها بشيء، خصوصا في مرحلة بحساسية شهر الصيام، الذي لديه تقاليده المطبخية الراسخة، أسباب قد تكون أكثر ما ضاعف غضب الشارع المغربي هذه الأيام.
إذ تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد للبصل الدولارين، ما يشكل تحديا في بلد لا يتجاوز متوسط الدخل الفردي الألفين وأربعمئة دولار.
شح تموين الأسواق بهذه المادة الأساسية، دفع الجهات الرسمية لمحاولات التغطية بمثيلاتها مستوردة من بلدان كإسبانيا وهولندا، وبدورها لم تتمكن من كبح جماح ارتفاع الأسعار.
استيراد تفاعل معه المغاربة بمزيج من التحسر والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي: «منذ متى تضمن أوروبا طعامنا، ألسنا نحن من يمدها بأجود الخضار والفواكه؟ »! «هل صارت أوروبا تمدنا بالبصل؟ يا للسخرية»! كانت تعليقات من بين كثيرة ترددت عبر مختلف المنصات.
الأزمة لم تكن لتفلت من القراءة السياسية: «هناك احتكار واسع للمادة من طرف أشخاص بعينهم تعودوا المتاجرة بأزمات المغاربة».
، «كعادتها تفشل الحكومة في حل أبسط المشكلات».
«لم يرحمونا حتى في شهر الصيام».
«كلما اقتربت العواشر (الأيام المباركة باللغة المغاربية عامة).
للسخرية نصيب واسع في سياق التحولات الجيوسياسية التي تحدث بعيدا: «ترامب يؤكد ألا علاقة له بأزمة البصل في المغرب»، «يبدو أن البصل قد قرر التضامن مع إيران»! «إغلاق مضيق هرمز هو السبب»، «عوض أن نشهد ارتفاعا في أسعار البنزين ها نحن أمام أزمة بصل».
هكذا سخر مواطنون.
لا يمكن لمتابع تحولات الـ«سوشيال ميديا» في المنطقة المغاربية إلا أن ينتبه للحملات الرقمية الممنهجة التي تثار هنا وهناك بين شعوب المنطقة.
إذا كانت وصلات «الشتيمة الرقمية» و»فنون الردح» قد تحولت لماركة مسجلة بين الجزائريين والمغاربة، منذ ظهر الانترنت، وعرفت رفعا لسقوفها خلال السنوات الأخيرة، فلم تعد الوحيدة.
في عالم يعيد فيه المتطرفون بناء الحدود واستغلال القوميات أبشع استغلال، يطالع المتابع لتحولات المنطقة بكثير من التوجس الفصل الجديد في المأساة التونسية الليبية، السبب منع مقنعين غير معروفي الهوية ادخال سلع تونسية إلى ليبيا، أمر يبدو أنه حرك «الحس القومي» لدى محترفي التهريب على الطرف الآخر من الحدود، الذين قرروا بدورهم منع مرور أي مركبة ليبية، من دخول البلاد.
على الطرفين لا توجد تفاعلات رسمية مع الحدث، لكن على مستوى شعبي ثم رقمي تأخذ القضية أبعادا أخرى: «وجب منع كل الليبيين من دخول التراب الوطني»، «يعاني التونسي في إيجاد دواء ويأتي الليبي ليتداوى كما يشاء (وإن بماله)»، «لا نريدكم، نريد سياحا أفضل»، أمكن مطالعة تعليقات تونسية.
على الجانب الليبي برر مواطنون قرار الجهات غير المعروفة والتي منعت الصفقة الحدودية: «معهم كل حق وجب حماية اقتصادنا الوطني»، «لقد أهلك التهريب اقتصادنا»؟ «ألا ترون أن الدينار الليبي في تراجع، هذا جزء من مأساتنا.
»لم تخل التعليقات من بعض المنطق على الجانبين: «ما يجمعنا بالأشقاء أكبر من تهريب هو جزء يومياتنا منذ عقود».
«قليل من الجوز واللوز لن يضر الاقتصاد».
لا يكاد يخلو شهر رمضان من جدالات في الجزائر، تقليد لم تسنه وسائل التواصل الاجتماعي للأمانة، بل يعود لعقود طويلة.
ورمضان هو شهر استهلاك حتى قبل أن يصبح الاستهلاك مادة للتحليل الممنهج حتى، تنتعش فيه تجارة الغذاء، الدين، والترفيه.
قد يكون لـ»صناعة الترفيه» في نسخته الحالية نصيب مميز!على مستوى رسمي تتعالى أصوات خلال الأشهر الأخيرة للتأكيد على أهمية تطوير استراتيجية للقوة الناعمة في البلاد، وفي غياب عناصر واضحة ملموسة، تعوضها تجارب تصنع رغما عنها صورة عن البلاد.
للجزائريين علاقة ممتدة مع الإشهار، في بلد عرف تحرير الأسواق قريبا، وإعلاما سمعيا بصريا «خاصا» أحدث، لكنه ظل إلى وقت قريب حبيس نماذج جامدة، أو ممارسات سطحية.
لا شك أن تضاعف المعروض من الإنتاج المحلي خلال السنوات الأخيرة، وما يتيحه العالم الرقمي من أدوات بسيطة للترويج دفع كثرا إلى الاستثمار في مواهبهم الخاصة في التسويق، وعلى سبيل «التجديد، والتقليع الاستهلاكي المحافظ» على ما يبدو، وجد الجزائريون أنفسهم أمام إشهار مواد تجميل «خالية من الشياطين»، وكيف لا والمشهر يؤكد لمستهلكيه المحتملين أن منتجاته قد ختم عليها القرآن الكريم، إعلان لقي انتشارا، كما موجة سخرية واسعة على الـ»سوشيال ميديا».
الإشهار لم يكن أكثر ما شغل المتابعين، فما كاد الجزائريون يتجاوزوا منتصف الشهر حتى اندلعت حرب كلامية، شد وجذب بين مختلف القنوات التلفزية الخاصة حول الأكثر مشاهدة في البلاد.
عكس دول عربية يتبارى فيها ممثلون متوجين أنفسهم الأكثر نجاحا وموهبة وشعبية، بدا الناطقون باسم مختلف القنوات التلفزية الجزائرية أكثر المتحمسين لإعلان أنفسهم الفائزين باهتمام مشاهدين، عازفين عن أي شاشة تقليدية في الواقع.
ولأن غرائب التريند في الجزائر لا تأتي فرادى ولا أزواجا، فقد تحول إعلان قناة تلفزية عن دبلجة مسلسل جزائري للهجة عربية إلى مادة للتداول الواسع بين مهلل ومندد.
«سميرة تي في» هي قناة طبخ جزائرية، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى فاعلي قطاع السمعي البصري في الجزائر الأكثر جدية، مزيج من الاحترافية، القراءة البراغماتية للسوق، والنأي بالنفس بعيدا عن صداع السياسة، خليط جعل القناة تتجاوز حدود الإنتاج المتخصص في الطبخ إلى الإنتاج الدرامي، وبرامج المنوعات، وتُنجح وصفته، لكن يبدو أن الخطوة الأخيرة قد فلتت من حسابات القناة في واقعيتها المفرطة.
«كيف لعاقل أن يدبلج لهجة عربية للهجة عربية أخرى»، «تصنعون مسلسلا تروجون به لثقافة البلاد، أليست لغتها جزء من هذه الثقافة؟ »، ندد كثر على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين هلل الأكثر سطحية: «المسلسل يستحق أن يدبلج»، «علينا الترويج لثقافتنا».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك