العربي الجديد - كأس عالم أكثر سرعة وعدالة العربي الجديد - اجتماع إسرائيلي بشأن وقف النار وسط تصعيد ميداني في الجنوب التلفزيون العربي - زيلينسكي يقترح لقاء بوتين ووقف إطلاق النار العربي الجديد - نجم العراق يخادع حارس إسبانيا... وأرنولد يكشف أخطاء دي لا فوينتي العربي الجديد - ركلة جزاء لم تحتسب لإسبانيا أمام العراق. الجزيرة نت - بعقد لغاية 2029.. القادسية السعودي يخطف موهبة مغربية من أوروبا الجزيرة نت - مسلسل واحد أعاد فتح ملف الحجاب.. لماذا انقسم الأتراك حول "شعلة"؟ إيلاف - السودان يتصدر قائمة الأزمات الإنسانية الأكثر إهمالاً في العالم وكالة سبوتنيك - السفارة الروسية بالجزائر تحتفل باليوم الوطني الروسي CNN بالعربية - هل قتل إيران لجنود أمريكيين سيكون مبرراً لاستئناف الحرب؟
عامة

الثنائيات القاتلة… أم أوهام التحليل؟ قراءة نقدية في خطاب إعادة بناء الدولة السودانية

سودانايل الإلكترونية
1

الثنائيات القاتلة… أم أوهام التحليل؟قراءة نقدية في خطاب إعادة بناء الدولة السودانيةفي خضم السعي المحموم لفهم مأزق الدولة السودانية، تبرز بين الحين والآخر مقاربات فكرية تحاول تقديم “مفاتيح تفسير كب...

ملخص مرصد
تحليل نقدي يتناول مقال د. أيمن بشرى حول "الثنائيات القاتلة" في الأزمة السودانية، ويشكك في قدرة الحلول الدستورية على معالجة الأزمات البنيوية العميقة التي تتجاوز مجرد إدارة الصراعات الهوياتية.
  • يشكك التحليل في اختزال الأزمة السودانية إلى ثنائيات مثل المركز والهامش والمدني والعسكري
  • يؤكد على غياب البعد الاقتصادي-السياسي في المقاربات التي تركز على الحلول الدستورية
  • يطرح تساؤلات جذرية حول طبيعة الدولة السودانية وإمكانية إصلاحها من الداخل
من: د. أيمن بشرى أين: السودان

الثنائيات القاتلة… أم أوهام التحليل؟قراءة نقدية في خطاب إعادة بناء الدولة السودانيةفي خضم السعي المحموم لفهم مأزق الدولة السودانية، تبرز بين الحين والآخر مقاربات فكرية تحاول تقديم “مفاتيح تفسير كبرى” للأزمةو من بين هذه المقاربات، يطرح د.

أيمن بشرى في مقاله “الثنائيات القاتلة” تصوراً يرى أن جوهر المشكلة السودانية يكمن في إدارة ثنائيات بنيوية: المركز والهامش، المدني والعسكري، الدين والدولةوهي مقاربة تقدم جهداً فكرياً معتبراً، وتمتلك قدرة على تبسيط التعقيد تبدو مغرية للوهلة الأولىغير أن هذا التبسيط ذاته هو مكمن الإشكال.

فهذه المقاربة، رغم عمقها الظاهري، تظل أسيرة إطار نظري يفترض أن الأزمات يمكن حلها عبر إعادة ترتيب المفاهيم داخل النصوص.

بينما تشير التجربة السودانية بوضوح إلى أن النصوص، مهما بلغت دقتها، تظل عاجزة ما لم تستند إلى واقع سياسي واقتصادي متماسك.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً هنا هو: هل المشكلة حقاً في “الثنائيات” كإطار للصراع، أم في البنية الاقتصادية-السياسية التي تنتج هذه الثنائيات وتستثمر فيها؟أولاً- حين يُختزل الواقع في ثنائياتالمشكلة الأساسية في الطرح الذي يقدمه د.

أيمن أنه يفترض أن الواقع السوداني يمكن تفكيكه إلى أقطاب متقابلة، ثم إعادة تركيبه عبر معادلة دستورية متوازنةو لكن الواقع الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في دولة مثل السودان، لا يعمل وفق منطق “إما/أو”، بل وفق شبكة معقدة من التداخلات والتحالفات المتغيرةالهويات في السودان ليست ثابتة ولا متقابلة بشكل صارم، بل متداخلة ومتحركة.

فعن أي “ثنائية مركز وأقاليم” نتحدث حين نجد أن نخباً من الأقاليم تتحالف مع نخب المركز على حساب فئات شعبية في المنطقتين معاً؟ وأي “ثنائية مدني وعسكري” نعني عندما تتداخل المصالح الاقتصادية للضباط مع رأس المال الخاص المدني، فتخلق كتلة اجتماعية-اقتصادية يصعب تفكيكها بمعادلة دستورية بحتة؟السلطة في السودان ليست مركزاً واحداً يمكن ضبطه بصياغة دستورية ذكية، بل هي علاقات متشعبة تتوزع بين فاعلين متعددين، وتتخذ من الخطابات الهوياتية غطاءً لمصالح مادية عميقةلذلك فإن اختزال الأزمة في “ثنائيات” يعيد إنتاج نفس المنطق الذي ساهم في صناعتها، دون الوصول إلى جذورها الحقيقيةينطلق المقال من افتراض ضمني مفاده أن تصميمًا دستوريًا ذكيًا يمكنه تحويل الصراع إلى توازن وهذا طرح كلاسيكي في الفكر السياسي الليبرالي، لكنه يغفل حقيقة جوهرية الدساتير لا تصنع الدول، بل تعكس موازين القوى داخلها.

وقد أثبتت التجربة السودانية ذلك بوضوحفمنذ الاستقلال، تعاقبت على السودان دساتير متعددة دستور 1956 المؤقت، دستور 1964، دستور 1973، دستور 1985، دستور 1998، دستور 2005، والوثيقة الدستورية 2019.

ومع كل دستور جديد، كان الأمل معقوداً على أن تحل النصوص إشكاليات الحكم، لكن الانقلابات تعاقبت أيضاً.

ما يشير إلى أن المشكلة أعمق من مجرد “هندسة قانونية” تحتاج إلى ضبطلقد تم تعطيل الدساتير السودانية الواحد تلو الآخر، ليس بسبب عيوب في صياغتها فقط، بل لأن موازين القوى الفعلية كانت دائماً خارج إطارها.

ففي 1958، سلم رئيس الوزراء نفسه السلطة للعسكروفي 1968، تم تجاهل حكم المحكمة الدستورية بحل الحزب الشيوعي.

وفي كل مرة، كانت إرادة القوى المسيطرة هي التي تحسم، وليس النصوصلذلك فإن الرهان على دستور جديد كحل للأزمة يشبه من يعيد ترتيب كراسي سطح سفينة تغرق، دون أن يسأل عن الثقب في قاعهاثالثاً الغائب الأكبر… الاقتصاد السياسيرغم عمق التحليل النفسي والثقافي في مقال د.

أيمن، إلا أنه يتجاهل أحد أهم مفاتيح الفهم: من يملك الموارد؟ ومن يسيطر على الاقتصاد؟ إن الصراع في السودان ليس فقط صراع هويات، بل هو في جوهره صراع على السلطة والثروة.

والذهب، الأرض، الموانئ، والمساعدات الدولية هي المحددات الفعلية للصراع، بينما تأتي الخطابات الهوياتية في كثير من الأحيان كأدوات تعبئة وتغطية لمصالح ماديةدعونا ننظر عن كثب إلى الحرب الدائرة حالياً تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة (2024) وتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش تشير إلى أن الذهب السوداني يُهرب بكميات كبيرة إلى الإمارات عبر قنوات مرتبطة بقوات الدعم السريع.

في المقابل، يتلقى الجيش دعماً لوجستياً من مصر وتركيا والسعودية، في سباق على النفوذ في البحر الأحمر وموارده.

هل هذه حرب من أجل “الهوية” أم من أجل مناجم الذهب وموانئ التصدير؟وإذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء، فسنجد أن اتفاقية ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب قبل الانفصال، والنزاع على منطقة أبيي الغنية بالنفط، والحروب في دارفور التي ارتبطت بالصراع على الأرض والمرعى، كلها تثبت أن البعد المادي كان حاضربقوة، حتى عندما تلبس بخطاب عرقي أو هوياتيإن تجاهل هذا البعد الاقتصادي يجعل التحليل أقرب إلى التأمل الفكري منه إلى التشخيص الواقعي فبدون فهم كيفية عمل رأس المال، وكيف تتدفق الثروة، وكيف تتشكل التحالفات حول الموارد، سنظل ندور في فلك تفسيرات سطحية لا تمس جوهر الأزمةرابعاً شبكات المصالح بديلاً عن الثنائياتإذا كان نقد الثنائيات يستحق البديل، فإن اقتراح منهج يقوم على تحليل “شبكات المصالح” و”التحالفات المتغيرة” قد يكون أكثر قدرة على فهم التعقيد السودانيفالفاعلون في السودان لا يتحركون وفق هويات ثابتة، بل يشكلون تحالفات مؤقتة تخدم مصالحهم المرحليةخذوا مثلاً تحالف بعض نخب الهامش مع النظام السابق في التسعينيات، مقابل منحهم حصصاً في السلطة والثروة.

أو تحالف بعض القوى المدنية مع العسكر في فترات انتقالية، على أمل اقتسام النفوذ.

أو حتى تحالف أحزاب دينية مع العلمانيين في لحظات معينة لمواجهة عدو مشترك.

هذه التحالفات لا تفسرها ثنائيات جامدة، بل منطق المصالح المتغيرة.

ربما يكون النموذج الأقرب للفهم هو نظرية “الاختيار العقلاني” لكن مع وضعها في سياقها الاجتماعي: الفاعلون يبحثون عن تعظيم مكاسبهم، لكن ضمن إطار تحكمه علاقات القوة وتاريخ طويل من تراكم المصالحوهنا يصبح تحليل من يملك ماذا، ومن يتحكم في أي مورد، هو المدخل الحقيقي لفهم السياسة السودانيةخامساً إشكالية “الجدلية بلا تاريخ”استدعاء الجدل الهيغلي كأداة لفهم التناقضات يبدو لافتاً في المقال الأصلي، لكنه في هذا السياق أقرب إلى الاستخدام الزخرفي منه إلى التوظيف المنهجي.

فالتناقضات في السودان لا تتحرك نحو “تركيب أعلى” كما يفترض المنطق الجدلي، بل كثيراً ما تنتهي إلى تفكك وانهيارنحن هنا لا نعيش لحظة “تطور جدلي” يتجاوز التناقضات، بل أزمة دولة تتآكل من الداخل، ويعيد كل صراع إنتاجها بشكل موسع وأكثر عنفاًيمكن القول إن ما يحدث في السودان هو “جدل مقلوب” أو “إعادة إنتاج الأزمة”.

ففي كل مرة يفشل فيها “التركيب” (أي تسوية سياسية ما)، لا يتم تجاوز التناقضات، بل تزداد الأزمة تعقيداً وعنفاً.

من انفصال الجنوب إلى حروب دارفور إلى الحرب الحالية، نرى أن الصراعات لا تنتج حلاً، بل تنتج صراعات جديدة أكثر شراسةهذا “الانسداد التاريخي” يحتاج إلى أدوات تحليل مختلفة عن الجدل الهيغلي المتفائل.

يحتاج إلى فهم آليات إعادة إنتاج الأزمة، وكيف أن نفس المصالح التي تغذي الصراع تستفيد من استمراره، وبالتالي تعمل على تعطيل أي تسوية حقيقيةسادساً معضلة المدني والعسكري… توازن أم اختلال؟يطرح د.

أيمن فكرة “المسؤولية المشتركة” بين المدنيين والعسكريين في إنتاج الأزمة وهي فكرة تبدو منصفة، لكنها قد تكون مضللة بل وخطيرة في سياق معين.

ذلك أن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة متكافئةفالمؤسسة العسكرية، بحكم امتلاكها لأدوات العنف والسلاح والتنظيم، ليست مجرد فاعل سياسي، بل هي الفاعل الأكثر قدرة على فرض إرادته وحسم الصراعات لصالحهإن وضع العسكري والمدني في كفة واحدة يتجاهل اختلال ميزان القوة الجوهري.

ومن الطبيعي أن يتم استخدام خطاب “المسؤولية المشتركة” لتخفيف الضغط على العسكر وتوزيعه على قوى مدنية أضعف بكثير.

هناك فرق بين المسؤولية القانونية والأخلاقية الواضحة للعسكر كمنفذي انقلابات، والمسؤولية السياسية للقوى المدنية عن فشلها في بناء تحالفات واسعة أو مواجهة إرث الدولة العميق.

الحديث عن مسؤولية مشتركة في الوقت الحالي، بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 والحرب المدمرة التي تلت ذلك، قد يُقرأ كشكل من “تسوية الأطراف” على حساب الضحايا وملايين النازحين والقتلىهذا لا يعني تبرئة القوى المدنية من أخطائها، لكنه يعني ضرورة التمييز بين مسؤولية الفاعل القوي ومسؤولية الفاعل الضعيف، وبين من يملك القدرة على تدمير الدولة ومن يملك فقط أحلاماً في إصلاحهاسابعاً حياد الدولة… المفهوم الملتبسيدعو المقال إلى بناء دولة “محايدة” تجاه الهويات، وهذا طرح وجيه نظرياً، لكنه يصطدم بواقع أن الحياد الكامل للدولة هو أقرب إلى المثال منه إلى التطبيق.

فكل دولة، بحكم نشأتها وتاريخها، تعكس توازنات ثقافية واجتماعية واقتصادية معينة.

ولا وجود لدولة محايدة بالمعنى المطلقوالأكثر من ذلك، في حالة السودان، فإن الحديث عن “الحياد” قد يخفي استمرار أنماط من الهيمنة غير المعلنة، بدلاً من معالجتها.

فالدولة السودانية لم تكن محايدة يوماً؛ لقد كانت، منذ نشأتها في لحظة الاستعمار، أداة في يد تحالف اجتماعي محدد (النخبة المتمركزة في وادي النيل ذات المشروع الثقافي العربي-الإسلامي) لإدارة المجتمع واستغلال مواردهالمطلوب إذن ليس حياداً مستحيلاً، بل إعادة تعريف الدولة بحيث تكون معبرة عن كل مكونات المجتمع بشكل عادل، وهذا يقتضي تغييراً جذرياً في علاقات القوة، وليس مجرد صياغة دستورية جديدةإنه يقتضي إعادة توزيع الثروة والسلطة، وكسر الاحتكارات، وبناء مؤسسات تمثل الجميع.

وهذا مشروع سياسي طويل، وليس وصفة قانونية جاهزةربما السؤال الأهم الذي لم يتوقف عنده المقال هو: هل المشكلة في كيفية إدارة الدولة… أم في شكل الدولة نفسها؟ فالدولة السودانية، كما تشكلت تاريخياً، هي نتاج لحظة استعمارية رسمت الحدود وفرضت نموذج الحكم المركزي المستبد، ودعمت نخباً معينة على حساب أخرىومع تراكم الأزمات والحروب والانفصال، بات من المشروع التساؤل هل يمكن إصلاح هذا النموذج من الداخل، أم أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير؟ربما نكون بحاجة إلى نقاش جذري حول طبيعة الدولة في السودان هل هي دولة لكل المواطنين، أم دولة لفئة على حساب فئات؟ هل هي دولة ديمقراطية توزع الثروة، أم دولة طفيلية يستفيد منها محيط ضيق حول السلطة؟ وهل يمكن لهذه الدولة، بصيغتها الحالية، أن تتحول إلى أداة للعدالة والتنمية، أم أنها تحتاج إلى تفكيك وبناء جديد من القاعدة إلى القمة؟بينما ننشغل بإدارة “الثنائيات” والبحث عن “الصيغة الدستورية السحرية”، قد يكون الأجدر بنا أن نسأل من صمم قواعد هذه اللعبة أصلاً؟ ومن يستفيد من استمرارها؟ ومن لديه مصلحة حقيقية في إنهاء الأزمة؟هناك فقط… يبدأ النقاش الحقيقي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك