كان للفقيه الدستورى البارز عبدالرزاق السنهورى رأى فى مسألة «الحكم فى الإسلام» أوردها فى أطروحته للدكتوراه عن «نظرية الخلافة»، التى أشرف عليها أستاذه الفرنسى إدوار لامبير، وتمّت ترجمتها لاحقاً ونشرها فى كتابين حملا اسم «نظام الحكم فى الإسلام» و«فقه الخلافة»، وكذلك ما طرحه خالد محمد خالد الذى رجع عن رأيه السابق فى فصل الدين عن الدولة، الذى جاء فى ثنايا كتابه «من هنا نبدأ» ليؤلف كتاباً بعنوان «الدولة فى الإسلام»، ويقترب فيه من ردود الشيخ محمد الغزالى على كتابه الأول فى كتاب مناظر وسمه بـ«من هنا نعلم».
ويبدأ «خالد» كتابه هذا معترفاً بخطأ ما اعتقد فيه سابقاً من أن الإسلام عرف، شأنه شأن المسيحية، الدولة الدينية، وأن «الدين حين يتحول إلى حكومة، فإن هذه الحكومة الدينية تتحول إلى عبء لا يُطاق.
وهى فى تسعة وتسعين فى المائة منها جحيم وفوضى، وأنها إحدى المؤسسات التاريخية التى استنفدت أغراضها، ولم يعد لها مكان فى التاريخ الحديث».
وقد كان «خالد» يؤمن بأن غرائز الحكومة الدينية تجعلها بعيدة عن الدين كل البُعد، لأنها حكومة توصم بالغموض المطلق، ولا تثق بالذكاء الإنسانى، ولا تأنس إليه، وتعادى رواد الخير والحرية والفكر والإصلاح، وتصفهم بأنهم أعداء لله ورسوله، بدعوى أنهم يبعدون الدين عن المجتمع، وهى حكومة تتردى فى غرور مقدّس، لا تقبل النصيحة ولا التوجيه، وهى تسقط فى الوحدانية المطلقة، التى تدفعها إلى محاربة أى رأى مخالف حتى لو كان سديداً.
وهى حكومة جامدة تضيق بكل جديد، وهى قاسية ومتوحّشة وعاتية.
وهذا لا يعنى أن «خالد» رجع عن مقته وجود «حكومة دينية» لكنه تراجع عن اعتقاده فى أن الإسلام يُقر هذا النوع من الحكومات، وإن كان التاريخ الإسلامى أو الممارسة السياسية فى زمن الإمبراطوريتين الأموية والعباسية قد عرف هذا، وهو ما ذكره «خالد» نفسه فى كتابه «من هنا نبدأ»، حيث قال: «فى الحكومات الدينية المسيحية ابتكرت وسائل التعذيب التى لا تخطر للشيطان نفسه على بال.
وفى الحكومات الدينية الإسلامية حدثت أهوال مروعة».
لكنه يعود ويقر بأنه قد وقع فى خطأين منهجيين، الأول: مضاهاة الحكومة الدينية الكنسية بحكم الإسلام.
والثانى: تعميم نتائج ما اقترفه الجهاز السرى باسم الإسلام.
ويعود «خالد» ليقول إن الإسلام جاء ليكون قوة تغيير عميمة وشاملة، و«لن يسلب الإسلام حقه، ولا مقدرته على تأسيس دولة، فحتى لو لم يكن للعرب سابقة مع الحكومة، فإن الإسلام بخصائصه قادر على تمكينهم من ممارسة هذه التجربة بنجاح».
بل يمد «خالد» الطموح على وسعه، ويتساءل: «لماذا لا يطمح الإسلام إلى حكومة عالمية، تلتف حول مبادئه وكتابه؟ ».
ويعود «خالد» إلى التراث الفقهى ليأتى بشهادات على «وجوب قيام الدولة المسلمة» يقتبسها من ابن خلدون وأبى حامد الغزالى والماوردى والنسفى والشهرستانى والأبجى وابن تيمية.
وقبل هذا يلجأ إلى تفاسير لآيات قرآنية وأحاديث نبوية، يُؤلها بما يخدم فكرته الجديدة، لينتهى إلى القول: «علينا أن نُعمّق إيماننا بأن الإسلام، دين ودولة، حق وقوة، وثقافة وحضارة، وعبادة وسياسة».
لكن «خالد» لم يكتفِ بمجرد إقرار أن الإسلام «دين ودولة»، بل عُنى بتقديم نموذج لتلك الدولة، وهو فترة حكم عمر بن عبدالعزيز، التى هى فى نظر «خالد»: «ترينا روح الدولة المسلمة وضميرها، كما ترينا شكلها الذى كان مثالياً بالنسبة لعصرها».
ثم يضع مبادئ عامة للحكم، كأن تكون الدولة قدوة، والشورى ضرورة، والمال وديعة، والحفاظ على وحدة الأمة وسلامتها واجب، ومراعاة مصلحة الأمة فى تصرفات الحاكم وسلوكياته.
أما «السنهورى» فيبدأ دراسته، بمعانقة الوجدان للبرهان، والمشاعر للعقل، فيقول فى مقدّمة الكتاب: «ولا أدّعى أننى برىء من كل تحيّز عاطفى فى معالجتى لموضوع يثير من الحماس العاطفى، ما يجعل للمحاذير الناتجة عن البيئة والارتباط الغريزى بالتقاليد العريقة بعض التأثير على طريقة معالجته، حتى من جانب أحرص الباحثين على الموضوعية، بل إننى أقر بأننى منذ حداثة سنى لم أستطع أن أقاوم تعلّقى الواضح بكل ما يتصل بالشرق.
ومع ذلك فقد بذلت جهدى فى هذه الدراسة لكى يكون عملى علمياً قدر استطاعتى.
لقد التزمت الموضوعية، وعملت دائماً على ضبط العاطفة، حتى لا تطغى على الحقيقة».
وبالنسبة لـ«السنهورى» فإن «الخلافة» هى «نظام الحكم فى الإسلام» وهى تدخل عنده، ككثيرين غيره، فى علم الفروع، خاصة فى شقه المتعلق بالقانون العام والقانون الدستورى، رغم أن الفقهاء يعتبرونها من مباحث علم الكلام.
ويقول هنا: «إذا كانت نظرية الخلافة تتّسع لجميع القواعد المتعلقة بنظام الحكومة الإسلامية، سواء دخلت فى نطاق القانون الدستورى، أو القانون الإدارى، أو المالى، فإنها لا تشمل جميع قواعد القانون الدستورى فى عُرف التشريعات الحديثة، ولا فى نظر الفقه الإسلامى».
ويسعى «السنهورى» إلى عصرنة أو تحديث نمط «الخلافة» فيُؤكد أن مبدأ الفصل بين السلطات هو أساس نظام الحكم الإسلامى، خصوصاً ما يتعلق بالسلطة التشريعية، التى يجب فى نظره أن تكون مستقلة استقلالاً تاماً عن الخليفة.
ويؤكد أيضاً أن إجماع الأمة هو مصدر التشريع الإسلامى، وأن الأمة هى التى تُعبّر عن الإرادة الإلهية بإجماعها، وليس الخليفة أو الحاكم بسلطته.
كما يُقر بأن سيادة الأمة تؤدى بالضرورة إلى سيادة السلطة التشريعية، ويجب ألا يملكها فرد مهما تكن مكانته، خليفة كان أو أميراً أو ملكاً أو حاكماً، فهى لله تعالى، وهو سبحانه فوضها للأمة فى مجموعها، والتى يجب أن يرتبط بها «الإجماع» فى شكله الأمثل.
ويضع «السنهورى» ثلاث خصائص للخلافة، أولاها: أن اختصاصات الحكومة (الخلافة) عامة، أى تقوم على التكامل بين الشئون الدينية والدنيوية.
وثانيتها: أن حكومة الخلافة مُلزمة بتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية.
وثالثتها: أن الخلافة تقوم على وحدة العالم الإسلامى.
ويرى أن هذه الخصائص إن اجتمعت فى الحكومة الإسلامية باتت حكومة شرعية، مهما يكُن شكلها، واستحقت بأن توصف بأنها «حكومة الخلافة».
ويبنى «السنهورى» على ما سبق، فيقول إن هناك إجماعاً عند أهل السنة والجماعة والشيعة والمعتزلة على أن الخلافة واجب شرعى، ولا يرفض هذا سوى الخوارج، الذين لا يُقرون بقيام الخلافة، ولا أى نوع من الحكومة، وفى نظرهم فإن الخلافة ليست ضرورية دائماً، إذ يمكن للناس أن يُحقّقوا مصالحهم وينظموا أمورهم من دونها، وليست نافعة دائماً، لأنه لا يمكن أن ينتفع بالخليفة إلا من يصل إليه، وهؤلاء قلة محدودة، وهى أيضاً ليست دائماً ممكنة، لصعوبة انطباق شروطها فى كل زمان ومكان على شخص بعينه، وهى فى نظرهم تُؤدى فى كثير من الأحيان إلى فتن وحروب جراء التنافس عليها.
عند هذه النقطة يصف «السنهورى» رأى على عبدالرازق فى الخلافة بأنه «شاذ»، فيقول: «لاحظنا أن مؤلفاً معاصراً، هو الشيخ على عبدالرازق، قد أخذ برأى الخوارج، بعد أن أيّده بحجج مُستحدثة برّاقة، ولكنها فى نظرنا مشكوك فى متانتها».
ويسعى «السنهورى» إلى تفنيد السندين اللذين اتكأ عليهما «عبدالرازق» فى رفضه للخلافة، فيرى أن قول الأخير بغياب أى سند لوجوب الخلافة فى العقل ولا فى الشرع، وأنها فى الأغلب قامت بالقوة، هو خلط واضح بين وجود نظام الخلافة وبين طريقة اختيار الخليفة.
كما لم يقبل «السنهورى» ما انتهى إليه «عبدالرازق» من أن الإسلام نظام دينى روحانى بحت، وراح يجلب أدلة شرعية ووقائع تاريخية يثبت من خلالها أن الإسلام عرف الدولة منذ عهده الأول، وأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، مارس مهام الحاكم.
ولم يكتفِ السنهورى بهذا، بل راح يستخدم ملكاته القانونية الراسخة فى إنشاء نظام متكامل لـ«الخلافة الإسلامية» من دون أن يتوقف عند المسميات، حيث يستبدل «الخليفة» بكلمة «الرئيس»، ليؤكد ضرورة انتخابه من قِبل الأمة، ثم يضع شروط الناخبين والمرشحين، وإجراءات الانتخابات، ثم يذهب إلى ما هو أوسع من ذلك بوضع مشروع لإعادة الخلافة فى صيغة «جامعة شعوب شرقية».
وما انتهى إليه «السنهورى» من حيث الشكل لا يختلف كثيراً عما تقره الديمقراطية الغربية فى الوقت الحالى، وما ينفرد به الإسلام هنا لا يزيد عن وضع مبادئ أرسخ وأعمق لضمان العدل والحرية.
وإذا كانت الممارسة التاريخية فى أغلبها قد ضربت هذه المبادئ فى مقتل، فإنها لم تمت، ولن تموت، لأن النص المؤسس الذى ينطوى عليها، وهو القرآن الكريم، باقٍ إلى قيام الساعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك