تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
عندما غاصت أقدام ليوطي في الوحل الثوري المغربي، وعرف مساق أحلامه وآماله، وقبل أن يغادر المغرب سنة 1925، قام بجولة عبر مناطق المغرب، فتوقف بمكناس ليشهد حفلة إقامة نصب تذكاري على شرف الضباط والجنود الفرنسيين الذين دفعوا دماءهم ثمنا لطموحات الحكم الاستعماري الفرنسي بالمغرب، وسألوه أن يملي عليهم فقرة من عبقريته تُكتب على ذلك النصب، فأملى عليهم الفقرة التالية: “كلما حصدتم سنبلة قمح، تذكروا أن كل حبة فيها مسقية بدماء أبناء فرنسا”.
وفعلا كتبت هذه الجملة البليغة الوصف والتعبير على النصب الذي كان مقاما بالمركز العسكري بمكناس.
إن ناحية مكناس كانت مليئة بالأنصاب العسكرية وأزلام الانتصارات الفرنسية، التي كانت تقام في أعقاب كل موقعة عسكرية خاض فيها الجيش الفرنسي معركة ضد الثوار المغاربة الرافضين للاحتلال.
وفي ناحية مكناس بالتحديد، وهي التي كان فيها الأمير مولاي الزين يخوض معارك منذ سنة 1905 ضد الاحتلال الفرنسي، بقيت روح الرفض المغربي للاحتلال متنامية في قلوب رجال ونساء قبائل بني مطير، وبني مكيلد، وزيان، وغيرها من القبائل التي اغتصب الجيش الفرنسي استقلالها سنة 1911 قبل إمضاء الحماية.
وكان الجنرال دالبييز بإقليم مكناس لا يعرف هدوءً ولا استقرارا.
فقد بدأت المعارك في نواحي الحاجب بعد أحداث فاس بشهر، انطلاقا من 17 جوان 1912، حيث دمرت قبائل بني مطير في معارك 21 جوان قوات الجنرال دالبييز الذي انسحب لمكناس بعد أن فقد ثلاثة قتلى وثلاثة عشر جريحا، وعاد دالبييز للانتقام في يوليوز 1912 لولا أنه وجد فيالق بني مكيلد قد جاءت لنصرة بني مطير، فاستنجد بقوات الكومندان ديبوتوري، الذي كان يخوض معارك في سايس بضاحية فاس، ويطالب بدوره بمساعدة قوات الجنرال دالبييز.
استمرت المعارك إلى شهر دجنبر 1912، وتوسعت إلى منطقة الواد العطشان، حيث جاءت إمدادات بقيادة الكولونيل روز.
وجاءت إمدادات من أكوراي بقيادة الكومندان لابوردوري وصلت يوم 11 يناير 1913، حيث جرت معركة حامية الوطيس مات فيها يوم 11 يناير 1913 الليوتنان شامبارد وأحد عشر ضابطا صغيرا وجنديا.
وانسحب الثوار المغاربة بضعة أيام.
ليعودوا يوم 24 يناير ويهاجموا المركز الفرنسي في عين المعطوف، وهبت تكنة أكوراي للنجدة، ولكن الثوار المغاربة أرادوا احتلال مركز الحاجب يوم 18 مارس 1913، فجرت معركة بالسلاح الأبيض جرح فيها قائد الحامية الفرنسية، الكومندان دولون، وأصدر الجنرال ليوطي أوامره لحاكم عسكري جديد للمنطقة اسمه الكولونيل هنريس، باستعمال المدفعية لقنبلة المراكز الآهلة بالسكان.
وهكذا تم هدم أربع قصبات بسكانها في منطقة أزرو يوم 29 أبريل 1913، لكن خليفة رئيس المنطقة، الكومندان بيرني، قتل في اشتباك مع قوات بني مطير يوم 14 مايو، لتظهر عدم فعالية القصف المدفعي على معنوية الثوار.
وكان الضباط الفرنسيون يهتمون في الدرجة الأولى بإصدار البيانات باحتلال المناطق التي يقصفونها بالمدافع؛ فمثلا أعلن الكولونيل كوديان احتلاله لمرتفعات والماس ومراقبته للأطلس، ولكن فرحته لم تتم.
فقد كانت قبائل زيان قد أنهت استعدادها لخوض الحرب ضد المحتل، وخسر الفرنسيون في أول معركة على جبهة والماس، يوم 21 مايو 1913، قتيلين وثمانية جرحى، واستمرت المعارك إلى غشت 1913، حيث تحركت كوكبة بقيادة القبطان لاكوست لمراقبة مرتفعات يطو، فقتل لاكوست وقتل معه اثنان من مساعديه.
إن كل هذه المعارك التي خاضتها قبائل المغرب لمنع الاحتلال الأجنبي عن ترابها، لا تعني أن المغاربة كانوا ينتصرون على قوات الاحتلال، ولكنها تعني الرفض المطلق لكل احتلال أجنبي مهما كانت قوته.
وإنما الذي يهمنا هو أن قبائل المغرب مضت في محاربتها لعدو يفوقها عدة وعتادا، ويهمنا أكثر من هذا، أن وثيقة الحماية لم تكن المفتاح الذي دخل به الفرنسيون للمغرب.
كما وجب التذكير بأن الربط التاريخي للأحداث يستحيل بالنسبة للمؤلف المؤرخ؛ فعندما كانت ثورة فاس سنة 1912، كانت نفس الثورة عند القبائل في بني مطير، وبني مكيلد، وعند زيان في مناطق أخرى، بل كانت في جميع مناطق المغرب في نفس الوقت كما سيأتي تبيانه.
لأن الثورة ضد الاحتلال كانت عارمة، شاملة، وواسعة النطاق، كما أنها لم تتوقف في ضواحي فاس، بدليل أن النصب التذكاري بمطار فاس العسكري يتحدث عن ضحايا هناك في سنة 1936.
وقد قدمنا ما يكفي من الحجج للبرهان على أن ليوطي كان يستعمل جانب التمويه في بلاغاته، ويتحدث عن الاستسلام المغربي علما بأن الاستسلام من طرف الثوار إنما يعني توقفا مرحليا اقتضته الظروف.
ونبقى في ناحية مكناس، لنعيش متاعب القيادة العسكرية الفرنسية سنة 1914.
فبعد أن أقام الجنرال بلوندلا مركزا قويا محصنا في مولاي بوعزة يوم 12 مايو 1914، فإنه كان يعتمد على القوات المتواجدة بقيادة هنريس في مكناس وتادلة، في الوقت الذي تجندت فيه فرقة من عشرين ألف عسكري لحماية ضواحي الرباط، و600 عسكري بقيادة الكولونيل كلوديل لحماية تيكريكرا، و3400 عسكري بقيادة كروس وفوغال، و4000 عسكري بقيادة الكولونيل دوبلسيس، لحماية تادلة.
لذلك ترك ثوار زيان هذه المنطقة ليهاجموا من جديد مركز إفران بقيادة الكولونيل كلوديل يوم 6 جوان 1914، وكبدوه خسائر فادحة، حينما أصبح الثوار يهاجمون بالليل لتفادي قصف المدافع.
وتحت جنح الظلام، استطاع الثوار تكبيد خسائر فادحة لقوات الكولونيل كلوديل، حيث فقد الليوتنان سيف ساعده الأيمن، والذي سقط وسط مجموعة من صغار الضباط، وجاء الجنرال هنريس شخصيا ليسند الكولونيل كلوديل، وتم استخدام المدفعية لدكّ مواقع سبت تابودا ودشرة طيطاوي، كما تم هدم مركز البرج، وكانت به مجموعة من الخيالة المغاربة يوم 12 جوان 1914، خرجت رغم القصف المدفعي لتخوض معارك دامت عدة أيام، قتل فيها عدد من الفرنسيين، وفي مقدمة القتلى نائب قائد الحامية، الليوتنان دوفيرون.
وعندما يموت ضابط، وقد عددنا عدد الضباط القتلى، فمعناه أن الخسائر الفرنسية مرتفعة لدرجة تعطي مصداقية لكلام الجنرال ليوطي، الذي قال بأن “كل حبة قمح مسقية بدم فرنسي”.
وهكذا كان يوم 12 جوان 1914 يوما حاسما في تاريخ الاحتلال الفرنسي لناحية مكناس.
ففي ذلك اليوم، تدخل عشرات الآلاف من الجنود الفرنسيين وخيرة ضباطهم بقيادة الكولونيل كلوديل، لرفع الحصار عن مدينة خنيفرة التي دخلوها على أشلاء سكانها بعد قصف المدافع، وعزفوا الموسيقى الوطنية الفرنسية تحت لعلعة الرصاص، وكان من بين القتلى الليوتنان دوفيرون.
وعندما جاء الجنرال هنريس لخنيفرة قصد الاحتفال بالنصر النهائي يوم 12 جوان 1914، تعرض لوابل من رصاص الثوار، الذين كانوا لا زالوا بالمدينة، واشتبك الفرنسيون مرة أخرى في معركة مع قبائل زيان قتل فيها سبعة عشر فرنسيا بينهم القبطان كانيوبان و77 جريحا، وبعد ذلك بيوم واحد، جرت معركة أخرى قتل فيها الليوتنان روك، الذي قتل في معركة 30 جوان، وفي فاتح يوليوز قتل الليوتنان فاك في معركة أخرى بقلب خنيفرة.
وفي منطقة البرج، غير بعيد من خنيفرة، قتل يوم 4 يوليوز أحد عشر عسكريا فرنسيا وكان من بين القتلى الليوتنان هوغو وثلاثون جريحا.
وفي يوم 13 يوليوز، هجم المغاربة على خنيفرة مرة أخرى وطردوا منها الفرنسيين، الذين كان عليهم أن يعيدوا الكرة لاحتلال المدينة من جديد.
إن كل التقارير العسكرية الفرنسية تتحدث عن عظمة قبائل زيان، الذين لا يقبلون الغلبة؛ فلقد ضربوا خناقا رهيبا حول خنيفرة التي وقعت تحت رحمتهم.
معركة الهري كما لم توصف من قبللم يتوقع الضباط الفرنسيون المحاصرون في خنيفرة، أن يثور عليهم الجنود المجندون المغاربة ويغتالوا كل الضباط ويحطموا معنوية الجيش الفرنسي مثلما وقع في فاس سنة 1912.
وحصلت فوضى، وانسحب عدد من الجنود الفرنسيين فاعترضتهم جيوش زيان، وكانت مجزرة لم يجرؤ الفرنسيون على إعطاء تفاصيلها.
وتمت محاصرة من بقي من الفرنسيين في خنيفرة بقيادة الكولونيل لافيردور، الذي اعتبر نفسه محاصرا يوم 20 غشت 1914، قبل أن يتم الهجوم عليه ويفقد في معارك بالسلاح الأبيض ثلاثين من خيرة رجاله، ومن بين القتلى الليوتنان لورو و64 جريحا بينهم ثمانية ضباط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك