لم يكن حيّ الزيتون شرق القاهرة، في مساء الثاني من أبريل عام 1968، سوى حيٍّ اعتيادي يطوي يومه على إيقاع المدينة المتعب.
لم تكن شوارعه الشعبية، ولا واجهات محاله البسيطة، تنبئ بأن حدثًا استثنائيًا على وشك أن يعيد تعريف المكان، ويمنحه حضورًا يتجاوز جغرافيته الضيقة إلى ذاكرة أمة كاملة.
فوق قباب كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، بدأ المشهد الذي سيُعرف لاحقًا بـ«ظهور الزيتون» مشهدٌ لم يكن عابرًا، ولا قابلًا للاحتواء داخل تفسير واحد.
من بناءٍ هادئ إلى مسرحٍ لحدث استثنائيشُيّدت الكنيسة عام 1924 على يد رجل الأعمال القبطي خليل إبراهيم باشا، في منطقة كانت آنذاك أقرب إلى الأطراف العمرانية للقاهرة.
لم يكن بناؤها يحمل استثناءً معماريًا لافتًا بقدر ما كان امتدادًا لدور اجتماعي وديني يخدم مجتمعًا آخذًا في التوسع.
غير أن خصوصية المكان لم تكن معمارية فحسب، بل روحية أيضًا.
إذ يرتبط موقع الكنيسة وفقًا للموروث المسيحي بمسار العائلة المقدسة خلال رحلتها في مصر، وهو ما أضفى على المكان طبقة مبكرة من القداسة، ستكتسب لاحقًا معنى أكثر تعقيدًا مع واقعة الظهور.
لحظة البداية حين أخطأ الناس تفسير ما يرونفي تلك الليلة، بدأ كل شيء من سوء تقدير بصري.
ضوء يظهر فوق القبة، رآه البعض من الأسفل في مشهد غير مألوف.
تحوّل المكان إلى نقطة تجمع لآلاف البشر، يأتون ليلًا، ينتظرون، ويرفعون أبصارهم نحو القبة.
اللافت أن المشهد لم يكن حكرًا على فئة دينية بعينها فقد حضره مسلمون ومسيحيون، وشهده مصريون وأجانب، وتقاطعت رواياتهم حول عناصر مشتركة نور وضوء يتحرك في محيط القبة.
هذه الطبيعة الجماعية للحدث منحت الواقعة وزنًا استثنائيًا، وجعلت من الصعب ردّها إلى تجربة فردية أو وهم بصري معزول.
الدولة بين المراقبة والتحفّظفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، لم يكن ممكنًا تجاهل حدث يجذب هذا العدد من المواطنين.
تابعت أجهزة الدولة ما يجري، وفرضت وجودًا أمنيًا لتنظيم الحشود وتأمين الموقع.
سياق مهزوم وظهور في لحظة احتياججاء ظهور الزيتون بعد أقل من عام على نكسة 1967، التي تركت أثرًا عميقًا في الوجدان المصري.
كانت البلاد آنذاك تعيش حالة من إعادة البناء، سياسيًا وعسكريًا، في ظل ضغوط اقتصادية، وإحساس عام بالانكسار.
في هذا السياق، لم يكن الحدث مجرد ظاهرة بصرية، بل تجربة نفسية جماعية.
بالنسبة لكثيرين، بدا الظهور كأنه لحظة تعويض رمزي، أو إشارة تتجاوز الواقع المأزوم.
لم يكن تفسيره ضرورة ملحّة بقدر ما كان الشعور به كافيًا.
بين التفسير والعجز عن الحسممنذ اللحظة الأولى، طُرحت أسئلة العلم:غير أن أيًا من هذه التفسيرات لم يستطع احتواء كل عناصر الظاهرة.
فالتكرار، وتعدد الشهود، وتقارب الوصف، كلها عوامل أبقت الباب مفتوحًا أمام احتمالات غير محسومة.
في المقابل، اعترفت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالظهور، ومنحته صفة دينية واضحة.
وبين هذا الاعتراف ومحاولات التفسير العلمي، ظل الحدث معلقًا في منطقة لا تخضع بسهولة لمنطق الإثبات أو النفي.
الذاكرة حين يتحول الحدث إلى أثر دائمبعد أكثر من خمسة عقود، لم تختفِ واقعة الزيتون من الوعي الجمعي.
تحوّلت إلى ذاكرة حيّة، تُروى لا باعتبارها خبرًا، بل تجربة.
لا يزال كثيرون يستدعون تفاصيلها كما لو كانت قريبة، بينما يتعامل معها آخرون بوصفها لغزًا مفتوحًا.
لكن في الحالتين، تظل الواقعة حاضرة، لا بوصفها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل كأثر نفسي وثقافي ممتد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك