حين أمسك الكاتب والروائي الفلسطيني غسان كنفاني بقلمه ليكتب روايته" رجال في الشمس"، لم يكن يؤلف مجرد قصة، بل كان يرسم شهادة على جريمة صامتة ترتكبها الأزمنة والحدود والخيانات مجتمعة في حق شعب بأكمله.
صدرت رواية" رجال في الشمس" عام 1963 عن دار الطليعة في بيروت، وسرعان ما أصبحت واحدة من أبرز نصوص الأدب العربي في القرن العشرين.
تحكى رواية رجال في الشمس، عن ثلاثة لاجئين فلسطينيين من أجيال مختلفة، يلتقون حول ضرورة إيجاد حل فردي لمشكلة الإنسان الفلسطيني المعيشية عبر الهرب إلى الكويت، حيث النفط والثروة.
الرجال الفلسطينيون هم أبو قيس الرجل العجوز الذي يحلم ببناء غرفة في مكان ما خارج المخيم، وأسعد شاب يحلم بدنانير الكويت وبحياة جديدة، أما مروان وهو أصغرهم سنا وكان يحاول أن يتغلب على مأساته المعيشية، فشقيقه في الكويت تركهم دون معيل لأنه تزوج، والده ترك أمه ليتزوج بامرأة أخرى تملك بيتا، فلم يكن أمامه إلا الذهاب للكويت لإعالة عائلته.
يلتقى أبطال العمل بسائق صهريج يدعى أبو الخيزران، يوافق على تهريبهم داخل خزان الصهريج الخانق في قلب الصحراء، ولكن ما يعانيه الأبطال داخل خزان الصهريج خلال رحلتهم من التوقف الطويل عند الحدود ولاهيب الحر القاتل كان مأساة لا رجعة فيها.
النكبة الفلسطينية وآثارها على الأجيالتعد رواية غسان كنفاني" رجال في الشمس" من أوائل الأعمال الروائية الفلسطينية التي كتبت عن التشرد والموت والحيرة، حيث يدين فيها الروائي كل الأطراف التي تسببت في النكبة الفلسطينية، من القيادات العاجزة، والقيادات الخائنة، والشعب المستسلم، ومن تخلوا عن الأرض بحثا عن خلاصهم الخاص.
تتميز قوة رواية" رجال في الشمس" برمزيتها الاستثنائية، فالصهريج الحديدي الخانق صورة للمأزق الوجودي للشعب الفلسطيني، والشمس الحارقة ليست مجرد طقس بل هي استعارة للموت البطيء الذي يلقي بظلاله على حياة المهجّرين، أما السؤال الذي يختم به غسان كنفاني روايته —" لماذا لم تطرقوا جدران الخزان؟ " — فقد أصبح من أكثر الأسئلة الأدبية ترددا في النقد العربي، لأنه يتجاوز الحادثة إلى تشريح الصمت السياسي والعجز الجماعي.
رجال في الشمس وتأسيس أدب المقامةوثق غسان كنفاني من خلال صفحات روايته تشريد النكبة الفلسطينية للشعب وآثارها التي امتدت على مدار أجيال متتالية، وعلى الرغم من مرور 60 عاما على صدورها إلا أن رواة" رجال تحت الشمس" لازالت تتربع على عرش قائمة أفضل 100 كتاب عربيا، حيث ترجمت الرواية إلى أكثر من عشرين لغة، وحولها المخرج السوري قاسم حول عام 1972 إلى فيلم سينمائي بعنوان" المخدوعون" وقد رأى فيها النقاد نصا لتأسيس ما يعرف بـ أدب المقاومة، ليس لأنه يدعو إلى الكفاح المسلح، بل لأنه يمنح الإنسان المُهجَّر كرامة روائية وصوتا أدبيا وشاهدا على التاريخ.
اغتيل الروائي غسان كنفاني في بيروت عام 1972 قبل أن يبلغ السادسة والثلاثين، لكن روايته" رجال في الشمس" لا تزال تطرق جدران الذاكرة العربية.
جدير بالذكر بأن العالم يحتفل في شهر أبريل من كل عام بـ" اليوم العالمي للكتاب"، وهي المناسبة الدولية التي أقرتها منظمة اليونسكو إيمانًا بالقوة التنويرية للكتب، ودورها الجوهري كجسر معرفي يربط بين الأجيال المتعاقبة والثقافات المختلفة.
وفي هذا السياق، يبرز الأدب العربي كأحد أهم الروافد العالمية التي قدمت على مدار القرن العشرين أعمالا استثنائية بلغت حدود العالمية، حيث توج الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب هذه الإبداعات بإعلان قائمة أفضل مائة رواية عربية في القرن الماضي، حيث سجلت رواية “رجال في الشمس” للروائي الفلسطيني غسان كنفاني مقعدا دائم على القائمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك