تشهد المنطقة العربية نقاشاً، أو بالأصحّ تهجّماً لفظياً بين وجهتَي نظر، الأولى داعمةٌ للفعل المقاوم المسلّح، في حين تتبنّى الأخرى موقفاً أقرب إلى رفض الفعل المقاوم المسلّح.
وتضم المجموعة الثانية في صفوفها تيّارَين متناقضَين، يمثّل الأول تيّاراً استسلامياً وانهزامياً على طول الخطّ، مهما تبدّلت الظروف والأحوال، لطالما شنّ حملاتٍ منظّمةً، وربّما مموّلةً، على الفعل المقاوم العنيف، أكان فعلاً منظّماً أم مجرّد ردّة فعل على جرائم الاحتلال المتواصلة.
في حين يمثّل الطيف الثاني تيّاراً طالما دعم الفعل المقاوم على امتداد سنوات، لكنّه اليوم يطالب بوقفها أو تعليقها في ضوء جرائم الاحتلال وداعمه الأميركي التي بلغت مستوياتٍ خطيرة تعيد تذكير العالم بجرائم النازية في القرن المنصرم.
لا بدّ من تأكيد الحقّ في الاختلاف مع نهج المقاومة عامّةً، أو الاختلاف حول أسلوب المقاومة في مرحلة ماطبعاً، لا يصحّ التشكيك في حقّ الاختلاف في وجهات النظر، كما لا يصحّ التشكيك في الحقّ في تغيير القناعات والانتماءات والأفكار، جزئياً أو كلّياً، فهذا طبيعي وحقّ مشروع، لكن ما يثير القلق حقّاً إيجاد أجواء متشنّجة (ومشحونة) تحوّل الاختلاف في الرأي إلى تهمٍ جاهزة تسمّم أجواء النقاش، وتقسّم المجتمع بما يخدم الاحتلال، ويفسح المجال أمامه لمواصلة جرائمه وكأنّها حقّ مشروع له، في حين تصبح المقاومة موضع تسائل وتشكيك، بدلاً من أن يكون العكس.
الملاحظ هنا أنّ الاتهامات المتبادلة، وخصوصاً التي تستهدف داعمي الفعل المقاوم، تنطلق من فرضية يكذّبها الواقع بوضوح، بل يدحضها المنطق السليم، تدّعي تلك الفرضية أنّ معظم داعمي المقاومة المسلّحة مدّعون ومنظّرون لا يتحمّلون تبعات المقاومة، ولا يمارسونها.
يتناسى هذا الاتهامُ السخيفُ أنّ داعمي المقاومة المسلّحة الحقيقيين أو الفعليين يمارسونها يومياً، منهم من استُشهد تجسيداً لممارسته حقّه في المقاومة، ومنهم من أصيب إصاباتٍ كبيرةً أو صغيرةً، ومنهم مَن لا يزال يمارسها أو يخضع لتدريبات سريعة تحضيراً لممارسة الفعل المقاوم، كما يتناسى هذا الافتراض السخيف أنّ الفعل المقاوم، خصوصاً المسلّح منه، يتطلّب حاضنةً اجتماعيةً صلبةً ومديدةً تمدّه بالحدّ الأدنى بالدعم المعنوي، ومن دون تلك الحاضنة الصلبة والواسعة، يصعب انطلاق فعل مسلّح مقاوم من الأساس، وعلى فرض انطلاقه في غياب الحاضنة الواسعة والصلبة فسيُضرَب بسهولةٍ من الاحتلال وداعميه، وبالتالي يسهل القضاء عليه قضاءً شبه كامل.
في المقابل، لا يصحّ وَسْمُ كلّ معارض للفعل المقاوم اليوم بالخيانة، مع ضرورة التمييز بين الحقّ في رفض الفعل المقاوم، وبين العمل لتقويض الفعل المقاوم، فالأخير يندرج في خانة حماية الاحتلال والخيانة الواضحة والمباشرة من دون لبس.
في ضوء هذا، لا بدّ من الإشارة إلى تفصيلٍ مهمٍّ يُسهم أحياناً في شحن الأجواء، يتمثّل في تنامي شعور العجز في أوساط معارضي الفعل المقاوم المسلّح، ورافضيه طبعاً، ما يدفعهم أحياناً إلى شحن النقاشات التي تتناول الفعل المقاوم المسلح بأجواء متشنجة.
مردّ شعور العجز أنّ رفض الفعل المقاوم هو مجرّد رأي سياسيٍ، لا يملك القدرة على وقف الفعل المقاوم المسلّح إلّا في حالتَين: الأولى يستحيل تحقيقها: توافق وطني وشعبي شامل لا يستثني أحداً تقريباً، ما يفقد الفعل المقاوم المسلّح من شرط الحاضنة الاجتماعية الواسعة والصلبة.
وسبب استحالة تحقيق هذا الشرط المقاومة نفسها، أي الاحتلال وجرائمه المستمرّة، بل والمتنامية بدعم أميركي فجٍّ ومباشرٍ في حالتنا هنا.
وتتمثّل الحالة الثانية في اصطفاف رافضي الفعل المقاوم في صفّ الاحتلال نفسه، وتحمّل مسؤولية مجابهة المقاومة وفصائلها وعناصرها بدلاً من الاحتلال نفسه، وهو ما يعزّز سيطرة الاحتلال وتمادي طموحاته وأهدافه كما شهدنا سابقاً في جنوب لبنان وفي الضفّة الغربية.
وفي ضوء تنامي جرائم الاحتلال في لبنان وفلسطين، تصاعدت الأصوات المطالبة فصائلَ المقاومة، فلسطينيةً كانت أو لبنانيةً، بوقف الفعل المقاوم المسلّح والانسحاب من وطنها (في حالة قطاع غزّة)، مستشهدةً بانسحاب فصائل المقاومة الفلسطينية من بيروت في ثمانينيّات القرن المنصرم، هنا يرى الكاتب أنّ التشبيه يتجاهل واقع الانسحاب من بيروت بدايةً، كما يتجاهل حيثياته ونتائجه، فانسحاب بيروت كان ضمن شروط تضمن انسحاب الاحتلال من بيروت، في حين يُطرح انسحاب المقاومة، وإيقاف الفعل المقاوم المسلّح اليوم، من دون أيّ ضمانات إقليمية أو دولية تنصّ على انسحاب الاحتلال من المناطق المحتلّة، سواء في فلسطين أو لبنان.
بل على العكس، لا يدع الاحتلال فرصةً إلا ويؤكّد استمرار احتلاله الأراضي الفلسطينية واللبنانية على حدّ سواء، بل ويؤكّد تمدّده.
وعلى صعيد النتائج، ساهم الانسحاب في تقويض حركة التحرّر الفلسطينية، وتخلّيها عن المشروع الوطني الفلسطيني، وتفتيت المجتمع الفلسطيني، سياسياً، إلى مجموعات منفصلة: فلسطينيّو الداخل، والضفة الغربية، وقطاع غزّة، ولاجئو الشتات، فضلاً عن تقزيم المنظّمة حتّى كادت تُنسى، أو أصبحت أداةً بيد ما تسمّى بـ" السلطة الفلسطينية" تستخدمها لابتزاز الكلّ الفلسطيني؛ فصائل وأفراداً، إلى جانب دورها في حماية الاحتلال وفق تعبير رئيسها محمود عبّاس، الذي فاخر مراراً وتكراراً بملاحقة كلّ من يفكّر في مواجهة الاحتلال، حتّى وصل الأمر بعناصرها الأمنية إلى تفتيش حقائب طلّاب المدارس بحثاً عن السكاكين (من حديث لعبّاس في مقابلة تلفزيونية مع القناة الإسرائيلية الثانية في 2016/4/1).
لا يحقّ لأحد سلب الآخر حقّه في مقاومة الاحتلال، فالمقاومة حقٌّ فرديٌ وفق القانون الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك