في قاعةٍ لا تُقاس أهميتها بحجمها، بل بما يُقال فيها… اجتمع صوتان من قلب المشهد الإعلامي والفكري في نادي دبي للصحافة، ليطرحا سؤالاً لم يعد يحتمل التأجيل:من يربح معركة الوعي في زمن السرديات؟بين الصاروخ والسردية… معركة تتجاوز الميدانضمن جلسة حوارية حملت عنوان “التطورات الجيوسياسية في المنطقة وتأثيرها على الخطاب الإعلامي”، جمع اللقاء سعادة الدكتور سلطان محمد النعيمي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، يحاوره السيد حامد بن كرم، رئيس تحرير صحيفة البيان، في قراءة استشرافية عميقة لما بات يُعرف بـ حرب السرديات.
لم يعد الصراع، كما أوضح سعادة الدكتور النعيمي، محصوراً في السماء حيث الصواريخ والمسيّرات، بل امتد إلى فضاء أكثر تعقيداً: فضاء الوعي.
من نقل الخبر إلى صناعة القناعةأشار الدكتور النعيمي إلى أن “السردية” لم تعد مجرد نقل للخبر، بل أصبحت بناء منهجياً متكاملاً، يُصاغ بعناية ليستهدف عقول فئات محددة، ويحوّل الحدث من معلومة عابرة إلى قصة ذات تأثير استراتيجي.
الإعلام، بهذا المعنى، لم يعد ناقلاً… بل صانع إدراك.
إعادة الإعمار ممكنة.
لكن من يُرمم الوعي؟في واحدة من أكثر اللحظات عمقاً، شدّد النعيمي على أن ما يُدمّر مادياً يمكن إعادة بنائه بسهولة، أما ما يُستهدف في عقول الناس فهو التحدي الحقيقي.
حرب العقول كما وصفها النعيمي تسعى إلى زعزعة القناعات وتزييف الفهم، وهي أخطر من أي دمار ملموس.
واستُحضرت هنا حقيقة لافتة:استهداف دولة الإمارات بسرديات مغلوطة—كالترويج سابقاً لفكرة أن دبي “مدينة أشباح”—لم يكن إلا ضريبة نجاح والواقع يتحدث.
فـ”لا يُلقى الحجر إلا على الشجرة المثمرة”.
في تفكيك دقيق لما سمّاه “سيميولوجيا التضليل”، عرض النعيمي كيف يمكن للغة أن تُستخدم كأداة سياسية لإعادة تشكيل الواقع.
مصطلحات تُستبدل، ودلالات تُحرّف، لتُبنى سرديات تخدم أجندات معينة—في محاولة لإعادة تعريف الحقيقة نفسها.
لكن في المقابل، أكد أن النهج الإماراتي يقوم على “التبيان لا التبيرير”، في إشارة إلى وضوح الخطاب وثقته، بعيداً عن الانجرار إلى معارك لغوية عبثية.
الاستقلال الاستراتيجي.
قرار لا يُفسروفي محور لا يقل أهمية، شدّد النعيمي على أن دولة الإمارات تتبنى مبدأ الاستقلال الاستراتيجي كخيار سيادي ثابت، خصوصاً في ملفات حساسة كقطاع الطاقة.
قرارات تُبنى على معطيات الحاضر واستثمارات ضخمة، لا على قراءات قديمة أو إسقاطات خارجية لا تعكس واقع الدولة المتجدد.
المجتمع.
خط الدفاع الأولبعيداً عن المؤسسات والخطط، أكدت الجلسة أن الحصانة الحقيقية تبدأ من الداخل: المجتمع الإماراتيولاءٌ قائم على القناعة، لا على التبعية، وتلاحمٌ يتجاوز صفة المواطنة ليشمل كل من يعيش على أرض الدولة.
هنا، لا يُترك فراغ… لأن أي فراغ إعلامي قد يُملأ بسردية مضادة.
من رد الفعل إلى استراتيجية الوعيالرسالة لم تكن تحذيرية فقط، بل عملية أيضاً:مواجهة حرب الإعلام تتطلب، خططاً ممتدة ورؤية تتعامل مع الإعلام كملف سيادي، لا كأداة ثانوية.
فالخطر اليوم لا يكمن في الخبر الكاذب فقط، بل في القدرة على تكراره حتى يبدو حقيقة.
“بنظهر أقوى” …حين تصبح المصداقية سلاحاًاختُتمت الجلسة باستحضار نهج محمد بن زايد آل نهيان: ”بنظهر أقوى”—كشعار لا يعبّر عن رد فعل، بل عن استراتيجية ثقة.
وفي عالم تتصارع فيه الروايات، يبقى الرهان الحقيقي—كما أكد النعيمي—على المصداقية.
فهي السلاح الوحيد القادر على إسقاط كل سردية زائفة.
في زمنٍ تُبنى فيه الحروب بالكلمات بقدر ما تُخاض بالسلاح، تبدو المعركة الحقيقية صامتة… لكنها عميقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك