تستعد السلطات القضائية في محكمة" لاندس كريشت" في العاصمة النمساوية فيينا لبدء محاكمة ضابطين سابقين في أجهزة مخابرات النظام المخلوع مطلع شهر حزيران المقبل، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق مدنيين في محافظة الرقة خلال السنوات الأولى من الثورة السورية.
ويُتهم خالد الحلبي، اللواء السابق في جهاز أمن الدولة ورئيس فرع أمن الدولة في الرقة بين عامي 2009 و2013، بالإشراف على عمليات تعذيب وانتهاكات خطيرة بحق المعتقلين داخل الفرع الأمني في المحافظة.
كما تشمل القضية مصعب أبو ركبة، المقدم السابق ونائب رئيس فرع الأمن السياسي في الرقة، والذي يواجه اتهامات بالتورط في انتهاكات وجرائم استهدفت مدنيين ومعتقلين خلال فترة خدمته هناك.
شهادة معتقل سابق تعيد فتح الملفبرزت ضمن التحضيرات للمحاكمة شهادة محمد جمال عرابي، المنحدر من مدينة حلب، والذي كان من الداعمين السريين للثورة السورية منذ انطلاقها عام 2011، حيث ساهم في تقديم الدعم الطبي واللوجستي والمادي بالتنسيق مع اتحاد الأطباء العرب والصيادلة في النمسا، إضافة إلى عضويته في إحدى التنسيقيات الداعمة للثورة.
لكن قوات النظام اعتقلت عرابي في حلب في 15 كانون الأول 2012، بتهمة تقديم دعم طبي ولوجستي للثورة من الخارج، قبل نقله إلى فرع فلسطين حيث تعرض للتعذيب والانتهاكات داخل المعتقل.
وبعد عدة أشهر، أُفرج عنه بكفالة مالية من سجن عدرا في 6 حزيران 2013.
عاد عرابي إلى النمسا عقب خروجه من السجن، حيث تلقى دعماً من السلطات النمساوية ومنظمات حقوقية كانت تتابع قضيته بحكم حمله الجنسية النمساوية.
وبعد فترة وجيزة، تواصلت معه الجهات المختصة لمتابعة ملفه القانوني.
وبالتعاون مع نقابة المحامين النمساوية وعدد من المنظمات الحقوقية، من بينها منظمة" شيري"، تمكن عرابي من رفع دعوى قضائية غيابية ضد نظام الأسد وعدد من ضباطه أمام القضاء النمساوي.
وأوضح عرابي لوكالة الأنباء السورية" سانا" أنه بعد سقوط النظام المخلوع، استدعي لاستكمال إجراءات القضية، مشيراً إلى أن المحكمة النمساوية تستعد لإصدار مذكرة توقيف عبر الإنتربول بحق مسؤولين متورطين في جرائم تعذيب وجرائم حرب.
وأضاف أنه أدلى بشهادته في السادس من أيار الجاري خلال جلسات الاستماع أمام النيابة العامة في فيينا، موضحاً أن القضية كانت متوقفة منذ نحو ثلاث سنوات، قبل أن تتقدم منظمة" شيري" بطعن قانوني عقب سقوط النظام لإعادة فتح الملفات، ما أدى إلى استئناف التحقيقات.
وبيّن عرابي أن النيابة العامة استأنفت الاستماع إلى الشهود بحضور منظمات حقوقية ومحامين دوليين، من بينهم المحاميتان ريم الكسيري وتاتيانا فييتك، مشيراً إلى أن المحكمة قررت الانتقال إلى مرحلة محاكمة المتهمين بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية خلال شهر حزيران المقبل.
وأكد أن استئناف القضية بعد سقوط النظام يهدف إلى تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، لافتاً إلى استمرار الجهود القانونية والحقوقية، إضافة إلى تقديم عدد من الشهود السوريين إفاداتهم أمام القضاء النمساوي بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى الضابطين السابقين.
الاختصاص القضائي العالمي أساس الملاحقةوأوضحت المحامية السورية ريم الكسيري، التي تتابع الملف بالتعاون مع منظمة حقوقية، أن جلسات الاستماع إلى الشهود بدأت في السابع من أيار، وأن النيابة العامة في فيينا استمعت إلى شهادة محمد جمال عرابي ضمن التحقيقات الجارية.
وأضافت لـ" سانا" أن النيابة العامة قررت متابعة التحقيق استناداً إلى الاختصاص القضائي بالنظر في القضية، في حين جرى التعامل مع بقية الشهود وفق مبدأ الحماية وبالتنسيق مع منظمة “شيري”.
وأكدت أن محاكمة المتورطين في جرائم الحرب ستبدأ بعد انتهاء جلسات الاستماع مطلع حزيران المقبل.
وأشارت الكسيري إلى أن المحاكم الأوروبية، بدأت منذ عام 2016 باستقبال شكاوى تتعلق بجرائم دولية ارتكبت في سوريا، استناداً إلى مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، الذي يتيح للدول محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإبادة الجماعية بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية الضحايا والجناة.
وبيّنت أن النمسا أدرجت هذا المبدأ ضمن تشريعاتها من خلال المادة 64 من قانون العقوبات، إضافة إلى التزاماتها بموجب اتفاقيات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب.
ولفتت إلى أن بعض الجرائم تُعد جرائم دولية تمس المجتمع الدولي بأسره، ومن بينها الجرائم المرتبطة بالنظام المخلوع وما ارتكبه من انتهاكات بحق السوريين خلال سنوات الثورة، ما يمنح أي دولة الحق في ملاحقة مرتكبيها قضائياً حتى وإن ارتُكبت خارج حدودها.
وأكدت الكسيري أن فيينا أصبحت إحدى الساحات القضائية التي يسعى فيها ضحايا وشهود سوريون إلى تفعيل مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، موضحة أن القانون النمساوي يسمح للنيابة العامة بالتحقيق في جرائم الحرب والتعذيب المرتكبة خارج البلاد عندما تصنّف كجرائم دولية وفق القانون الدولي.
وأوضحت أن الدعاوى تبدأ عادة عبر شكاوى يقدمها ضحايا وشهود بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني سورية ومركز “شيري” لإنفاذ القانون الدولي، قبل أن تقرر النيابة العامة فتح التحقيقات في حال توافر شبهات كافية وجدوى قانونية للملاحقة.
وأضافت أن النيابة العامة في فيينا فتحت ملفين منفصلين، يتعلق الأول بانتهاكات جسيمة تعرض لها مواطن نمساوي وعدد من السوريين المقيمين في فيينا على الأراضي السورية بين عامي 2012 و2013.
كما أشارت إلى أن منظمة" شيري" عملت لسنوات على تثبيت تفسير قانوني لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي بما ينسجم مع القانون الدولي، وقد جرى اعتماد هذا التفسير بمرسوم من وزير العدل النمساوي، وطُبق سابقاً في قضايا تتعلق بجرائم حرب روسية في أوكرانيا، لكنه لم يعتمد بالطريقة نفسها في القضايا السورية.
وأكدت أن الهدف الحالي يتمثل في إعادة فتح التحقيقات واستكمال المسار القانوني لضمان مساءلة جميع الأطراف المعنية وفق القانون النمساوي والدولي، متوقعة صدور أوامر اعتقال بحق متورطين في الجرائم المرتكبة في سوريا.
وأكدت أن المحاكمة المرتقبة بحق الحلبي ومصعب أبو ركبة ترتبط بشكل مباشر بالانتهاكات والجرائم المرتكبة في سوريا، ومن المنتظر أن تنطلق مطلع الشهر المقبل.
وختمت الكسيري بالتأكيد على أن مبدأ الاختصاص القضائي العالمي يهدف إلى منع الإفلات من العقاب، وإثبات أن مرتكبي جرائم الحرب والتعذيب لن يجدوا ملاذاً آمناً في أي دولة تحترم القانون الدولي.
وكانت قد وجهت النيابة العامة في العاصمة النمساوية فيينا، تشرين الثاني 2025، اتهامات بارتكاب جرائم حرب وتعذيب إلى العميد السابق في استخبارات نظام الأسد المخلوع، خالد الحلبي (62 عاماً)، وهو أرفع مسؤول سوري يُتهم في أوروبا بهذه الجرائم حتى الآن، وذلك بعد ملاحقة دامت أكثر من 12 عاماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك