شهدت دار المزادات العالمية كريستيز في نيويورك الأسبوع الماضي، ليلة استثنائية في سوق الفن المعاصر، بعدما سُجّلت صفقة تاريخية تمثّلت في بيع لوحة الفنان الأميركي الراحل جاكسون بولوك المعنونة" رقم 7 - 1948" في مقابل 181 مليون دولار، عقب مزايدة محتدمة استمرّت سبع دقائق فقط، لتتجاوز بذلك سعرها التقديري السابق بأكثر من ثلاثة أضعاف.
اللوحة التي رسمها بولوك على الأرض، ضمن أسلوبه الشهير القائم على التنقيط والحركة الجسدية، أعادت تعريف مفهوم الرسم الحديث، وفتحت الباب أمام تحولات جذرية في الفن المعاصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
كما قادت هذه الصفقة واحدة من أثمن المجموعات الفنية الخاصة في التاريخ، في مؤشر إلى موسم استثنائي قد يشهد أرقامًا قياسية جديدة في سوق المزادات العالمية.
ويُعدّ جاكسون بولوك، المولود عام 1912 والمتوفى عام 1956، أحد أبرز روّاد المدرسة التعبيرية التجريدية في الولايات المتحدة.
واشتهر بابتكار أسلوب" الرسم الحركي"، الذي حوّل اللوحة إلى مساحة فعل جسدي مباشر، بعيدًا عن القواعد التقليدية للرسم الأكاديمي.
وفي تعليق على قيمة اللوحة وسعرها القياسي، قال الناقد الفني الدكتور محمد شرف إنّ الجدل الذي أثارته الصفقة يعكس الانقسام التقليدي حول الفن التجريدي، موضحًا أن كثيرين يتساءلون عن الأسباب التي تجعل لوحة مؤلفة من خطوط وبقع لونية تبلغ هذا السعر المرتفع.
وأضاف شرف في حديث لبرنامج" ضفاف" الذي يُبثّ على قناة" العربي 2"، أنّ أعمال بولوك ليست نتاج عفوية بسيطة، بل ثمرة خبرة طويلة وتجارب فنية عميقة في ما يعرف بـ" الرسم الحركي"، معتبرًا أن اللوحة تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الفن التجريدي، وأن قيمتها لا ترتبط فقط باسم الفنان، بل أيضًا بالدور الذي لعبته في تغيير مفهوم الجمال الفني الحديث.
وأشار شرف إلى أن بولوك لم يكن يستخدم الحامل التقليدي للرسم، بل كان يضع اللوحة على الأرض ويتحرك حولها أثناء العمل، ما جعل الحركة الجسدية نفسها جزءًا من تكوين اللوحة.
وأضاف أن هذا الأسلوب منح أعماله طابعًا نفسيًا وفلسفيًا خاصًا، يرتبط بالحالة الشعورية للفنان أثناء الإبداع.
تغير مفهوم الجمال في الفن الحديثورأى الناقد الفني أن مفهوم الجمال في الفن الحديث والمعاصر لم يعد قائمًا على المحاكاة الواقعية أو المعايير الكلاسيكية، بل أصبح مرتبطًا بالبنية التشكيلية والقدرة على بناء تكوين بصري متماسك، مؤكدًا أن قوة بولوك تكمن في سيطرته الدقيقة على المساحات اللونية والتكوين، رغم ما يبدو من عشوائية في أعماله.
وتُعد لوحة" رقم 7 - 1948" واحدة من أبرز أيقونات التعبيرية التجريدية، كما أنها من بين الأعمال القليلة ضمن هذا التيار الفني التي وصلت إلى هذا المستوى من الأسعار، في سوق اعتادت تسجيل أرقام قياسية لأعمال أكثر قربًا من الفن الكلاسيكي أو الواقعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك