عندما قال وزير المياه إن مديونية قطاع المياه قد تصل إلى 15 مليار دينار مستقبلاً، انطلقت موجة من التعليقات التي تعاملت مع الرقم وكأنه كلفة مشروع جديد أو دين ستتحمله الدولة دفعة واحدة، بينما الحقيقة مختلفة تماماً، والمشكلة ليست في الرقم الذي ذكره الوزير، لكن في طريقة فهمه وتداوله.
وهنا يبرز دور الصحافة الحقيقية التي لا تكتفي بنقل التصريح، او ان تكون حبيسة الإشاعات على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما تستفسر وتسأل وتفسر وتقدم المعلومة الدقيقة للرأي العام، اذ ان الوزير لم يقل إن مشروعاً جديداً سيكلف 15 مليار دينار، ولم يقل إن الحكومة ستقترض هذا المبلغ غداً أو بعد عام.
لكن ما تحدث عنه هو مسار طبيعي لمديونية قطاع يبيع سلعة أساسية بأقل من كلفتها الحقيقية، بينما تستمر الحكومة بتحمل فارق الكلفة عاماً بعد عام، وهذه نقطة جوهرية غابت عن كثير من النقاشات التي تعاملت مع الرقم بطريقة انفعالية أكثر منها اقتصادية.
قطاع المياه في الأردن من أكثر القطاعات التي تعتمد على الدعم الحكومي، فالمياه لا تباع بسعرها الحقيقي، إنما تتحمل الخزينة جزءاً كبيراً من الكلفة الفعلية للإنتاج والضخ والمعالجة والنقل والتوزيع، ولذلك فإن استمرار بيع المياه بالسعر المدعوم يعني استمرار تحمل الحكومة لهذا الفارق، وبالتالي استمرار تراكم المديونية مع مرور الوقت.
وللتوضيح أكثر، كانت الحكومة تدعم قطاع المياه بنحو 250 مليون دينار سنوياً منذ سنوات، ومع الإصلاحات التي نفذت في القطاع، سواء من خلال تخفيض الفاقد أو تحسين الإدارة أو تنظيم شرائح الاستهلاك أو رفع كفاءة التشغيل، انخفض هذا الدعم إلى ما يقارب 160 مليون دينار سنوياً، وهذا تطور مهم يعكس نجاحاً في إدارة القطاع، لكنه لا يعني انتهاء الدعم أو اختفاء الفجوة المالية.
اليوم تبلغ مديونية قطاع المياه نحو 5 مليارات دينار، وتشكل مديونية سلطة المياه ما يقارب 12 بالمئة من إجمالي الدين العام.
وإذا استمرت المياه تباع بالسعر نفسه المدعوم، واستمرت الحكومة بدفع فارق الكلفة، فمن الطبيعي جداً أن ترتفع المديونية بعد سنوات إلى مستويات أعلى قد تصل إلى 15 مليار دينار، وهذا ليس رقماً صادماً اقتصادياً، لكن نتيجة حسابية متوقعة لسياسة دعم مستمرة لفترة طويلة.
الأمر لا يتعلق بالمياه فقط، فالقضية نفسها تنطبق على الخبز و الكهرباء والغاز وعلى أي سلعة أو خدمة تباع بأقل من كلفتها الحقيقية، وعندما تتحمل الخزينة الدعم سنة بعد سنة، فإن الكلفة تتراكم والعجز يتراكم والمديونية ترتفع، وهذه معادلة اقتصادية معروفة لا تحتاج إلى كثير من الجدل.
المشكلة الأعمق أن منظومة الدعم الحالية ما زالت تعاني من تشوهات واضحة، فالدعم لا يذهب دائماً إلى مستحقيه فقط، لكن يستفيد منه الجميع تقريباً، اذ ان الغني والفقير، المواطن وغير المواطن، محدود الاستهلاك وكبير الاستهلاك ووافد ومغترب، جميعهم يحصلون على الدعم، وهذا يعني أن جزءاً من الأموال العامة لا يصل بالضرورة إلى الفئات التي تحتاجه فعلاً.
لهذا فإن النقاش المطلوب اليوم ليس التخويف من رقم 15 مليار دينار، لكن التفكير بطريقة أكثر مسؤولية في مستقبل الدعم، والمطلوب هو إعادة النظر في التعرفة وفق شرائح الاستهلاك، بحيث تبقى الشرائح الأساسية محمية كما أكدت الحكومة مراراً، بينما يتحمل الاستهلاك المرتفع كلفته الحقيقية، وهذا ليس استهدافاً للمواطن، لكن محاولة لضمان استدامة الخدمة واستدامة المالية العامة في الوقت نفسه.
الإصلاح الاقتصادي بطبيعته لا ينجح بالشعبوية ولا بردود الفعل السريعة، اذ ان الأرقام تحتاج إلى تفسير، والتصريحات تحتاج إلى قراءة كاملة، والسياسات تحتاج إلى نقاش مسؤول، أما اجتزاء الأرقام من سياقها وتحويلها إلى مادة للتهويل، فلن يغير حقيقة واحدة؛ وهي أن أي دعم مستمر لسنوات طويلة سيولد كلفة متراكمة، وأي كلفة متراكمة ستنعكس في النهاية على المديونية العامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك